عندما كنت فتاة صغيرة في مقتبل العمر كنت أتعجب من السيدات اللاتي تخرجن بأبنائهن الصغار في الشوارع والمحلات والحدائق والأماكن العامة ناهيكم عمن تصطحب أطفالها في الزيارات المنزلية؛ فكنت عندما أرى أماً بطفلها وهو يصيح ويبكي ويضرب الأرض بقدميه ويلح في طلباته ولا يكف عن ترديد كلماته حتى يصيبني الضيق الشديد وأرمق الأم السخيفة بنظرة جانبية وأنا أتساءل باستهجان، لماذا تأخذهم معها في كل مكان وما ذنب الناس والاصدقاء والجيران.
الآن وبعد مرور عدة سنوات وجدت نفسي ودون أن أشعر محاطة بقفص الزوجية بكل ما يحمله هذا القفص من تبعات، مطبخ وطبخ وأطفال أصواتهم كالصواريخ والأيام تمرّ وكأنني قادمة من المريخ لا أشعر بالزمن ولا بالأيام حتى التعب لا أعرف له رأس من أقدام، ويأتي أخر الأسبوع فأحمل حقيبتي ومتعلقات أسرتي وأولادي في ذيلي لا يفارقونني والطلبات لا نهاية لها، أما الدموع في العين فأنهار وأنا أعشّم نفسى بفسحة جميلة أو جولة تسوّق "تشرح القلب الحزين" أو ساعات أقضيها بالنادي فتهوّن على النفس شماتة الأعادي، أو زيارة عائلية تمتلئ بالضحكات الهنية.. ولكن هيهات ثم هيهات.
و"هات يا زمن ما في جعبتك هات".. ففي كل مكان أذهب إليه لا تفارقني صرخات الصغار، ولا مضايقات الكبار ولا نظرات البنات وهن يتأففن من زيارتي الميمونة ولسان حالهن يقول "ايه اللي خرّج الست الغلسة دي بعيالها.. ياريت تخلي عندها دم وتقعد بيهم بعد كدا في البيت"، أما لسان حالي فيقول والدموع في عيني ويدي تهدد ذو الستة سنوات وقدمي تهزهز ذو التسعة أشهر "حرام عليكوا.. هو أنا مش بني آدمة.. يا عالم يا هو سيبوني أعيش ."