استدعت شركة هيرمان ميلر– أحد أكبر صناع الأثاث المكتبي– المصمم بيل ستامف لتصميم كرسي مكتب جديد.. ستامف كان له سابق خبرة معهم وعمل لهم أنجح كرسيين.. "إرجون" و"إكوا".
ستامف مكانش راضي تماما على الكرسيين دول رغم إنهم عملوا مبيعات ساحقة، وبالذات إكوا اللي كان أكتر كرسي تم تقليده أو الاقتباس منه لاحقا.. وقرر إنه يصمم كرسي يعمل طفرة في عالم الأثاث المكتبي وإنه يكون إرجونوميك لأقصى حد..
الإخوة المعماريين يعرفوا معنى إرجونوميك كويس.. واللي ميعرفش لازم يعرف
هناك في بلاد ما أمام المستقبل، أصغر وأتفه تفصيلة هي عندهم عالم كامل متكامل له خبراؤه وأبحاثه و متخصصينه.. إرجونوميك هو علم تطبيقي يتعلق بأي تصميم متعلق ببيئة الشغل لضمان راحة الموظفين و زيادة انتاجيتهم.. من شكل الفرش للون الحيطان لتصميم الإضاءة.. كل حاجة.. و بالمرة.. التسمية جاية من كلمتين يونانيتين.. إرجو يعني عمل.. نومو يعني قوانين..
ستامف سمّى المشروع الجديد إيرون.. و سعيا لتحقيق المعايير الإرجونوميك عمل الآتي في شكل الكرسي..
أول تغيير عمله كان في الميكانيزم القديم (النقطة دي مملة جدا) كان رابط ضهر الكرسي بالمقعد من خلال مفصلة بحيث إنك لو سندت ضهرك و اتكيت فالضهر يرجع معاك.. المشكلة إن مركز ثقل الكرسي ساعتها بيتغير في اتجاه غير مركز ثقل الشخص الجالس عليه.. فالقميص بيخرج من البنطلون بالإضافة لحمل زائد على أسفل العمود الفقري.. فتم تغيير الميكانيزم لطريقة أعقد بس فيها انفصال بين حركة الظهر للخلف و المقعد نفسه..
تاني تغيير كان في مساند الأذرع.. الدراعات كانت قابلة للتحكم الكامل وإعادة ظبط وضعها لاتجاهات أكتر من السابق.. وعشان يحقق النقطة دي ربط المسندين في ضهر الكرسي مش في قاعدته كما هو متبع..
تالت تغيير كان غرضه تدعيم استناد الكتفين على ظهر الكرسي.. فتم تغيير شكل الظهر تماما ليكون أعرض من الأعلى و يتناقص عرضه في الأسفل.. بالظبط عكس التصميم السائد اللي بيوازي حدود الجسم.. عريض من تحت و بيلم عند الرأس..
رابع تغيير كان برضه عكس السير تماما.. ستامف كان بيؤمن إن البشرة و الجلد عضو مستقل من أعضاء الجسم و لازم يتنفس.. استبدل خامة تشطيب الكرسي من فوم و تنجيد و جلد أو قماش إلى شبكة مرنة مشدودة بين قائمي البلاستيك.. الشبكة شفافة أو للدقة متفتحة أساسا فالميكانيزم بتاع الكرسي باين من خلالها.. ستامف المصمم نفسه علَّق على النقطة دي وقال أنا بأتخيل والت ديزني لو مكانش لبّس ميكي ماوس جوانتي و الناس شافت مخالبه الحقيقية مكانش حد في الدنيا استلطفه، أنا عملت العكس تماما وده كان جنون..
اتصمم الكرسي وتم تصنيع عينات منه للاختبار.. و تم تجريبه على مجموعات من الموظفين يقعدوا على إيرون مش أقل من نص يوم و يقيموا التجربة بأرقام من واحد إلى عشرة بحيث إن العشرة تمثل الراحة القصوى.. و لو جاب أقل من سبعة مش هايصنعوه لأنه أساسا شكله مسخ بس هدفه الراحة..
الكرسي ما حققش أكتر من أربعة.. وستامف يحط تعديلات وتتعاد التجربة على ناس تانية.. ستة.. تعديلات.. تجربة.. تمانية.. تمام كدة.. مش تمام أوي.. كل اللي جربوا الكرسي إدوله في مقياس الجمال أربعة.. دي ماتحركتش أبدا للأعلى..
عرضوا الكرسي على معماريين ومصممين وتفهّموا شكله الغريب وإنه مينفعش يتجمل طبقا لمبدأ المعماريين بتاع التريبل اف
form follows function
عرضوا الكرسي على إخواننا أصحاب الشأن الأساسيين بتوع الإرجونوميك.. والمفاجأة إن معجبهمش شكله رغم تحقيقه للوظيفة.. و كانت أبرز تعليقاتهم إنه شكله كأنه حشرة تاريخية.. و إن محدش هيسند ضهره على الشبكة دي و هو مستريح لأنه هيفتكرها هتتقطع فمش هايرتكز تماما و ضهره هايتعب.. و إنه شكل الكرسي كأنه مصنوع من مواد تمت إعادة تدويرها.. و كل النقط دي هتأثر سلبا على جو العمل العام.
في تلك الأثناء أخد ستامف ضربة جامدة جدا.. أحد رؤساؤه بمنتهى الغباء و التسرع و عدم التنسيق طرح صورة للكرسي في كتالوج لسوبر ماركت تحت عنوان ترقبوا و أبشروا .. مجلة متخصصة أخدت الصورة دي و حطتها على الغلاف تحت مسمي: كرسي الموت.. كل من سيجلس عليه سيموت..
منعا للإطالة.. اتخذ صاحب الشركة القرار الغير متوقع و صنع الكرسي بكميات كبيرة و نزلها السوق، وبدأ يبيع كميات قليلة وبعدها أخد جايزة تصميم العِقْد من جمعية المصممين الصناعيين الأمريكية.. وباع كميات كبيرة جدا، وتمت محاكاته وتصنيعه من منافسين كثر.. وقالوا عنه إنه أعاد تعريف معنى كلمة جمال..
وحقق أعلى نسبة مبيعات في تاريخ الشركة.. ولو رحت أمريكا هتلاقيه محطوط في متحف الفن الحديث كقطعة دائمه.