«شغيلة المعمار»: أكل العيش يبدأ من «قعدة الرصيف»
«شغيلة المعمار»: أكل العيش يبدأ من «قعدة الرصيف»
- أصحاب الأعمال
- ارتفاع الأسعار
- الأعمال الخرسانية
- الباعة الجائلين
- الحى العاشر
- العاصمة الجديدة
- بنى سويف
- حمد إبراهيم
- رد قاس
- أبواب
- أصحاب الأعمال
- ارتفاع الأسعار
- الأعمال الخرسانية
- الباعة الجائلين
- الحى العاشر
- العاصمة الجديدة
- بنى سويف
- حمد إبراهيم
- رد قاس
- أبواب
وسط زحام السيارات وأصوات الباعة الجائلين الذين يفترشون السوق لبدء يومهم كعادتهم كل صباح، يجلس العشرات من عمال اليومية «الأعمال الخرسانية»، فى منطقة الحى العاشر بمدينة نصر، ممن ضاقت بهم الدنيا وأغلقت أبوابها أمامهم، وأعلنت عصيانها عليهم، فأجبرتهم ظروف المعيشة القاسية على ترك زوجاتهم وأبنائهم وآبائهم فى محاولة للتغلب على ظروفهم الصعبة، من كل مكان جاءوا إلى هنا يبحثون عن لقمة عيش لهم ولذويهم، غير مكترثين بما هم فيه من تدنٍ فى أوضاعهم الصحية، آملين فى يوم مشرق يحصدون فيه جنيهات قليلة تغنيهم عن مد يدهم، وتساعدهم على سد احتياجاتهم اليومية، والعودة آخر اليوم بوجبة طعام ساخنة، ربما تكون بعض أقراص من الطعمية وقليلاً من الفول، مع بعض أرغفة الخبز، الطعام قليل فى أعين الكثيرين ولكنه كثير بالنسبة لمن ذاق مرارة الجوع.
تجدهم يفترشون الشوارع، فى صورة حزينة مرسومة على وجوههم عنوانها «إحنا مش شحاتين.. إحنا شقيانين بس مش لاقيين وعلى قد حالنا، وبقعدة الرصيف راضيين، ولبلدنا أكيد فى يوم راجعين بس يومها أكيد هنكون على الأكتاف محمولين».
الرصيف لا يفرق بين كبار وصغار، فالجميع يجلسون فى انتظار رزق يأتيهم من عند ربهم يفرجون به همهم ويحققون به أملهم الذى يحلمون به طيلة ليلتهم، متحمسين لصباح ربما يحمل معه «يومية» تساعدهم على تحمل تلك الأوضاع، فمنذ إشراقة الشمس حتى غروبها وهم يجلسون على أمل الحصول على أجرة ولو كانت قليلة، فالقليل يغنيهم عن السؤال ومد أيديهم لغيرهم: «الفلوس مش بكترتها.. الفلوس ببركتها»، حسب قول العمال.
ببطء ترتفع الشمس معلنة زوال ليل طويل، على كل من يبحث عن عمل شريف، وينتظر بشغف نهاراً يبحث فيه عن قوت يومه، عقارب الساعة تعلن السادسة فيبدأ هؤلاء العمال التوافد أمام السوق، لتزداد الأعداد رويداً رويداً حتى يحتشدوا بأرقام كبيرة فى العاشرة صباحاً، فتتعالى الأصوات فى محاولة لجذب الأنظار إليهم، للحصول على اليومية: «تعالى يا باشا انت عايز عامل ولا صنايعى؟».. بهذه الكلمات بدأ محمد إبراهيم، ٤٣ سنة، من محافظة بنى سويف، حديثه مع أحد المارة، ظناً منه أنه جاء ليبحث عن عامل، فبادره المار برد قاسٍ قائلاً: «بطلوا تسول بقى»، فيرد: «أنا مش بشحت، أنا بدور على شغل بالحلال وماخترتش بإيدى شغلتى دى».

بجلباب وطاقية ولاسة بيضاء، وشبشب أزرق، وأمامه بعض لوازم التكسير التى وضعها معاً فى لفة محكمة من أربطة سوداء «شاكوش وأجنة ومطرقة»، جلس «إبراهيم» على الرصيف فى التقاطع بين السيارات المتجهة إلى اليمين والأخرى المتجهة إلى اليسار، بوجه يكسوه الحزن، وبصوت أتعبه الأنين، وعينين ثاقبتين تنتظر قدوم أحد أصحاب الأعمال طالباً بعض العمال: «أنا باشتغل أى حاجة عامل، نحات، تكسير، أى حاجة، المهم أجيب فلوس أقدر أصرف بيها على ولادى السبعة وأبويا وأمى».
"وحيد": "ياريت يكون لنا تأمينات ومعاش علشان خاطر عيالنا".. و"محمد": "منتظرين أى خطوة تحسن أحوالنا وتغنينا عن اللف فى الشوارع"
ويتابع: «أنا يومى بيبدأ من خمسة الصبح، بخرج أجيب ساندوتش وده أكلى لحد العصر، وبفضل طول اليوم على كده، ولو ربنا رزق بيومية فباكل ونفسى مفتوحة، فى العادى بامشى من هنا على العصر، وأوقات بفضل لحد بالليل، الوقت ده كله ببقى قاعد على الرصيف، ممكن أشتغل وأوقات كتير مابشتغلش، الشغل بالظبط زى صيد السمك، مرة تصيب وعشرة تخيب، ويوم ما تخيب بحس بكسرة نفس وذل، بخاف من تانى يوم، مالقيش فيه شغل هو كمان، وأبقى كده قاعد يومين عاطل، أنا ماخترتش أشتغل عامل باليومية، بس ظروفى خلتنى أشتغل أى شغل والسلام، علشان أقدر أصرف على عيالى، وأمى وأبويا».
ويضيف محمد إبراهيم: «الجو تعبان ويوم شغال وعشرة لأ وحتى اليوم اللى باشتغله باصرفه لما باقعد، ساكن فى أوضة فى بدروم فى البخارى فى مدينة نصر، وبدفع ٣٠٠ جنيه فى الشهر، قاعدين ستة أنفار فى الأوضة، أتمنى يبقى فيه أى إعانة، نفسى يتعملى مشروع صغير وأقعد جنب أهلى وعيالى، أنا تعبت والغربة بهدلة، وكل شوية حد يتكلم عن العمال، طب هو إحنا مش عمال، على الأقل عمال المصانع ليهم تأمين، ومرتب شهرى، يعنى لو ماحتفلوش بيهم هيعيشوا برضو، لكن إحنا لا مرتب ولا عيشة زى الناس ولا تأمين، ومانعرفش عن عيد العمال غير إنه إجازة».
ويقول على أحمد، من أسيوط، نحات، ٥٤ سنة: «أنا باصحى سبعة وبامشى من هنا على الساعة ٣ العصر، وشغال يوم ويوم قاعد، العيشة مولعة نار ومش قادر أصرف على نفسى ما بالك بقى بكوم اللحم اللى فى رقبتى، باصرف على خمس عيال، وكل حلمى أقدر أعيشهم بس وأقدر أجيبلهم أكل ٣ طقات فى اليوم زى باقى الخلق»، ويضيف: «خايف عليهم من زمانهم الجاى، يا عالم لما أموت إيه هيجرالهم، هيروحوا فين، ومين هيسأل عنهم، ولا ليا معاش ولا تأمين علشان أبقى مطمن بعد ما أموت إنهم هيلاقوا الستر».
ويتابع: «محدش فكر فينا، ولا مرة جه مسئول قال انتوا قاعدين كده ليه، فين المصانع اللى بيقولوا عليها فيها شغل، بعيدة بعيدة مش فارقة ما إحنا كده كده متغربين عن بلدنا وعيالنا، أنا مش عايز حاجة من حد أنا عايز بس أشتغل كل يوم وأبقى ضامن مرتب ثابت»، ويشكو «على» من ارتفاع الأسعار: «الغلاء وقف حالنا لأن مبقاش حد بيشتغل أو يبنى، حتى اللى بيفكر يشتغل بيقلل العمالة، مفيش شغل زى الأول دلوقتى كله مرمّات، وشغل تعبان مايوكلش عيش».
ويقول مراد وحيد، ٣٥ سنة، من أسيوط: «أنا ساكن فى أوضة مع أربعة غيرى، وبندفع إيجار كتير وكل شهر الراجل صاحب الأوضة يزود علينا الإيجار، هنجيب منين بس، إحنا تعبانين ومتمرمطين، أنا باتمنى ربنا يصلح الحال وأشتغل باستمرار مش يوم ويومين لأ، ونفسى يبقى لينا تأمينات ومعاش زى باقى الناس، لأن اللى بيقع مننا محدش بيسأل عنه حتى لو مات، أهم حاجة عندى يبقى فيه شغل أو حتى ياخدونا العاصمة الجديدة لأن الشغل هناك أكتر وأحسن من هنا».
"إبراهيم": "بنشتغل أى شغلانة نجيب منها فلوس لعيالنا".. و"أحمد": "الشغل كله مرمَّات حالياً"
يقول محمود عبدالمالك، ٤٢ سنة، من المنيا، عامل محارة: «زيادة سعر الأسمنت قللت الشغل وأثرت علينا، ومش عليا أنا لوحدى الكلام على الكل، سواء محارة أو مبانى، أنا العامل اللى بيناولنى فى المحارة عنده ٦٢ سنة، بيصعب عليا باشغله معايا، وأهو بيسترزق هو كمان، وبساعده فى تخمير المونة، وبراعى ظروف سنه».
ويضيف: «بنجيب رغيف بنص جنيه، وطعميتين، ونفطر بيهم، الغدا والعشا بقى ربنا كريم، ولما بنسترزق بيومية ولا حاجة بنجيب وناكل، ولو مفيش يومية، النوم هو عشانا، أنا عن نفسى أخاف أصرف فى اليوم اللى ما أشتغلتش فيه، ما أنا مش عارف بكرة هيجرالى إيه؟».
ويقول محمد أحمد، من سوهاج، ٣٤ سنة، عامل بلاط: «أنا لحد دلوقتى ما اتجوزتش، مش لاقى أتجوز، ولا حتى لاقى شغل علشان أقدر أعيش وأبنى بيت، أنا متغرب عن أهلى وبلدنا، علشان أجيب فلوس أصرف بيها عليهم»، ويتابع: «نفسيتى تعبت من القعدة على الرصيف، أوقات كتير ناس بتفكرنا بنشحت، أول إمبارح كان فيه واحد كان معدى فحط عشرة جنيه فى إيد زميل لينا شغال فى المعمار، فقاله يا بيه أنا مش شحات، خد فلوسك ورجع له الفلوس تانى».
ويتابع: «وضعنا فعلاً صعب ونفسنا حد يشوف حل لينا، عيد العمال قرب، ومش بناخد منه غير الإجازة اللى حتى مابتكونش لينا، أهى بتقلل الناس فى الشوارع، ورزقنا بيقل طبعاً، يعنى اللى بناخده من عيد العمال إنه بيعطلنا عن شغلنا، أنا نفسى أعرف هو اتعمل عشانا إحنا، ولا فيه عمال تانية إحنا منعرفش عنهم حاجة، بدل ما يحتفلوا بالعمال، الأحسن يحسنوا وضعنا».
ويلخص راضى وافى، ٤٢ سنة، من المنيا، عامل محارة، مشاكله فيقول: «باختصار معنديش وظيفة ولا ليا حاجة أتسند عليها لو حصلى حاجة، ملناش غير قعدة الرصيف، هو أحن علينا من اللى مفكروش يشوفولنا حل بدل قعدة الرصيف دى، كل يوم بقت عادتى آجى الصبح هنا، يمكن ألاقى يومية، أسد بيها جوعى وجوع عيالى».