التجارة الحرة.. أحدث ثمار رئاسة مصر للاتحاد الأفريقى

كتب: بهاء الدين عياد وصالح إبراهيم

التجارة الحرة.. أحدث ثمار رئاسة مصر للاتحاد الأفريقى

التجارة الحرة.. أحدث ثمار رئاسة مصر للاتحاد الأفريقى

مبكراً، أدركت القيادة السياسية حتمية توجيه بوصلة السياسة الخارجية المصرية نحو أفريقيا، فكانت القارة السمراء، التى تمثل إحدى أهم دوائر انتمائنا وأمننا القومى، ليس فقط من خلال جولات ومشاركات احتلت نصيب الأسد فى نشاطنا الخارجى، ولكن أيضاً من خلال إنجازات ملموسة، وإطلاق طاقات غير مستغلة، ومبادرات وشراكات ترسم الأفق لـ«قارة المستقبل».

خطوة كبيرة على طريق دعم الاندماج القارى سبقتها جهود مصرية متنوعة قبل التوقيع فى "قمة نيامى"

إطلاق اتفاقية التجارة الحرة الأفريقية، فى قمة نيامى عاصمة النيجر، جاء كأحد إنجازات الرئاسة المصرية التى ركزت على 3 محاور، الأول دعم تطوير آليات الاتحاد الأفريقى ومؤسساته، والثانى دعم جهود السلام وخطوات المصالحة والتسويات السياسية ومكافحة الإرهاب فى القارة، والثالث يتمثل فى دعم تكامل الاقتصاد الأفريقى وجهود الاندماج القارى.

«الوطن» ترصد فى هذا الملف كيفية استفادة القطاعات الاقتصادية فى مصر والبلدان الأفريقية من تفعيل اتفاقية التجارة الأفريقية، التى جاءت بعد جهود دبلوماسية مكثفة.

التكامل التجارى يطرق أسواق القارة السمراء

الأسواق الأفريقية فرصة لم تغتنم بعد، أرض خصبة للتجارة والاستثمار معاً، طبيعة ما زالت بِكراً وصفقات تنتظر من يقتنصها. قبل أيام قليلة أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسى بصفته رئيساً للاتحاد الأفريقى إقامة «منطقة التجارة الحرة الأفريقية القارية» خلال القمة الاستثنائية التى استضافتها نيامى عاصمة النيجر بعد توقيع 27 دولة من دول الاتحاد من بين 55 دولة، وهى الاتفاقية التى تضم أكبر ثلاثة تكتلات اقتصادية تجارية فى أفريقيا، هى الكوميسا والسادك وشرق أفريقيا.

من شأن التكتل القارى الجديد أن يغير خريطة التجارة فى القارة السمراء، ويفتح أبواب حرية التجارة على مصراعيها أمام حركة تبادل البضائع والسلع، وهو ما يعنى ببساطة فتح أسواق جديدة وغير تقليدية أمام المنتجات الأفريقية بشكل عام، والصادرات المصرية على وجه الخصوص.

وتكتسب الاتفاقية الجديدة أهميتها فى وقت تسعى الحكومة المصرية إلى تعزيز الصادرات المصرية السلعية، وزيادتها إلى 55 مليار دولار، بعد سنوات من التباطؤ فى النمو، نتيجة عدة أسباب أبرزها فقدان عدد كبير من الأسواق التقليدية للمصدرين المصريين.

"المصرى للدراسات الاقتصادية": الاتفاقية الجديدة تفتح الأبواب أمام تدفق السلع المصرية لأفريقيا

بحسب دراسة أعدها المركز المصرى للدراسات الاقتصادية فإن اتفاق التكتلات الثلاثة الذى وقعته مصر فى عام 2015 والمتعلق بإقامة منطقة تجارة حرة قارية تضم 3 تجمعات فى أفريقيا سيكون بمثابة محور التكامل بين الدول الأفريقية من خلال سياسات تهتم بتنمية الصادرات وجعلها هدفاً أساسياً لتحقيق تنمية حقيقية. وقال المركز فى دراسته إن انضمام مصر للتكتلات الاقتصادية الأفريقية يفتح مجال واسعاً أمام منتجاتها بتيسيرات كبيرة على صعيد الجمارك والضرائب وسهولة الانتقال وغيرها، ما يعد فرصة لمضاعفة الصادرات المصرية إلى تلك الأسواق. واعتبر أن الصناعات الصغيرة والمتوسطة أمامها فرصة ذهبية لتصدير منتجاتها للأسواق الأفريقية. وأكد المركز أنه مع تزايد اهتمام القطاع الخاص والاتحادات الصناعية والتجارية فى مصر بتوطيد علاقاتها الأفريقية، خاصة أن الحكومة المصرية وقعت على اتفاقيات تجارية لتسهيل دخول المنتجات المصرية إلى الأسواق الأفريقية.

واقترح المركز أن تقوم مصر باتخاذ خطوات متكاملة لتنشيط التبادل التجارى مع أفريقيا تشمل تأسيس شبكة من المعارض التجارية فى العواصم الأفريقية، وإقامة مراكز لوجيستية مصرية بتلك المناطق لتوفير البضاعة الحاضرة، مع ضرورة معالجة مشاكل النقل التى تمثل عائقاً أساسياً خلال الفترة الحالية لزيادة حجم ومساحة الصادرات المصرية فى الأسواق الأفريقية، خاصة أنه لا توجد خطوط برية أو شبكات سكك حديدية أو خطوط ملاحية مصرية ترتبط بالمراكز الأفريقية التجارية مما يضعف الوجود التجارى المصرى بها.

دراسة: زيادة متوقعة فى معدلات التجارة لسوق تضم 1.2 مليار نسمة

ووفقاً لدراسة لوزارة التجارة والصناعة فإن هناك عدة فوائد من انضمام مصر إلى الاتفاقية أبرزها زيادة حجم التجارة مع دول التكتلات، مع تذليل العقبات الجمركية، فى سوق تضم 1.2 مليار نسمة، وناتج محلى إجمالى يصل إلى 2.5 تريليون دولار، وهو ما يشجع على تنويع التجارة الأفريقية.

ومن بين الفوائد التى تعددها الدراسة تحقيق قيمة مضافة للسلع المصنعة داخل مصر ورفع القدرة التنافسية لتلك السلع وزيادة حركة التجارة البينية والاستفادة من الموارد الخام، فضلاً عن زيادة الاستثمارات المصرية مع دول التكتل وإتاحة مساحة أكبر لحرية رؤوس الأموال ورجال الأعمال، حيث تستطيع المنتجات المصرية النفاذ لأسواق أكثر من 40 دولة أفريقية دون رسوم جمركية. وأكدت الدراسة أن مصر سوف تستفيد من هيكل واردات الدول الأعضاء، حيث تقبل تلك الدول على استيراد العديد من السلع التى تتمتع مصر بميزة عالية فى إنتاجها، ويأتى فى مقدمتها السلع الغذائية والأدوية والهندسية والأدوات المنزلية ومواد البناء والسيراميك والحديد والصلب والجلود. وأشارت الدراسة إلى استفادة أخرى تتمثل فى استيراد العديد من المواد الخام اللازمة للصناعة بإعفاء جمركى، خاصة أن أغلب دول التكتل الثلاثى تعتمد على تصدير خامات وسلع رئيسية مثل النحاس والتبغ والبن والشاى والجلود الخام واللحوم. وشددت الدراسة على أن اتفاقية التجارة الحرة القارية تمثل بداية انطلاق للتكامل الاقتصادى الأفريقى الذى يعد ضرورياً لتحقيق التنمية المستدامة لشعوب القارة.

ووفقاً للبيانات الرسمية فإن حجم التجارة بين مصر والدول الأفريقية يتجاوز أكثر من 4.2 مليار دولار فى 2018، مقارنة بـ3.4 مليار دولار فى 2017. وتتصدر كينيا قائمة الدول الأفريقية من حيث حجم التجارة بقيمة تتجاوز 418 مليون دولار، ثم جنوب أفريقيا بأكثر من 191 مليون دولار، وإثيوبيا بأكثر من 125 مليون دولار.

التحركات الحكومية فى الفترة الأخيرة تشير بوضوح إلى وجود تحركات جادة لاقتناص فرصة انطلاق الاتفاقية الجديدة، حيث أعلنت وزارة قطاع الأعمال قبل أيام عن إطلاق مشروع جديد يحمل اسم «جسور»، وهو المشروع الذى سيتم تنفيذه من خلال الشركة القابضة للنقل البحرى والبرى بالتعاون مع عدد من شركات القطاع الخاص.

"القاهرة" ستستفيد من تذليل العقبات الجمركية

ونظراً لأن إحدى أبرز المشكلات التى كانت تعيق حركة التجارة فى القارة الأفريقية، فإن الجسر الجديد المزمع تشغيله رسمياً فى أكتوبر المقبل سيقدم للمصدرين 4 خدمات منفصلة تبدأ بالنقل البرى من المصنع لميناء السخنة تمهيداً لشحنها بحرياً، بالإضافة إلى ذلك فإن المشروع سيقدم خدمة التخليص الجمركى والتخزين، وفضلاً عن خدمات النقل واللوجيستيات ستكون هناك خدمة التأمين على المنتجات المصدرة من خلال شركات القابضة للتأمين التابعة للوزارة.

وحسبما أعلنت وزارة قطاع الأعمال فإن مشروع «جسور» سيقدم خدمة التسويق من خلال إنشاء شركة وساطة وتسويق يكون مقرها فى مصر ولها فروع فى الدول الأفريقية المستهدفة يدير هذه الفروع متخصصون من هذه الدول.

وقالت الوزارة إن المشروع سيبدأ بتنفيذ رحلة شحن أسبوعياً بمتوسط أسعار أقل 20% من أسعار السوق.

تحركات «قطاع الأعمال» الأخيرة لم تكن أولى التحركات الحكومية، ففى مطلع عام 2014 كثفت الحكومة من تحركاتها من أجل العودة للقارة السمراء، وتم استغلال وجود سابق لشركات مصرية تمتلك جذوراً عميقة داخل أغلب البلدان الأفريقية، وفى مقدمتها شركتان حكوميتان هما النصر للاستيراد والتصدير، والمقاولون العرب، اللتان تمتلكان أصولاً ضخمة فى دول عدة.

أما شركة النصر للاستيراد والتصدير فتعد إحدى القواعد المصرية البارزة فى أفريقيا، وعلى مدار العامين الماضيين، شهدت الشركة خططاً توسعية لإعادة إحياء فروعها التى تصل إلى أكثر من 25 فرعاً أغلبها فى الدول الأفريقية والعربية.

الأمر لا يقتصر فقط على الشركات الحكومية، فبحسب تقرير أعدته الوكالة الإقليمية للاستثمار التابعة لتجمع السوق المشتركة لدول شرق وجنوب أفريقيا «الكوميسا»، فإن الشركات المصرية تعد من أكثر الشركات نشاطاً فى القارة الأفريقية بشكل عام وفى دول الكوميسا على وجه التحديد، حيث تستثمر نحو 4.4 مليار دولار فى قطاعات مختلفة ما بين صناعية وزراعية وتعدين وأدوية وأغذية ونقل ومقاولات وتكنولوجيا المعلومات.

وأظهر التقرير أن هناك 10 شركات مصرية تعمل فى دول تجمع «كوميسا» على رأسها شركة «السويدى إلكتريك» والتى تعد أكبر شركة مصرية تستثمر فى دول الكوميسا باستثمارات قدرها 1.8 مليار دولار موزعة على 6 مشاريع، تلتها شركة «فارما أوفرسيز» باستثمارات مليار دولار من خلال مشروعين. وأوضح التقرير أن شركة «أسيك القابضة للأسمنت»، جاءت فى المرتبة الثالثة بقيمة 572 مليون دولار من خلال 3 مشروعات، وضمت القائمة أيضاً شركة مصر للطيران باستثمارات 31 مليون دولار، والبنك الأهلى المصرى باستثمارات 22 مليون دولار وشركة «أكرو مصر للشدات والسقالات المعدنية» باستثمارات قدرها 3 ملايين دولار.

وقال أحد كبار المصدرين لـ«الوطن» إن هناك مجالس تصديرية قامت خلال الفترة الماضية بوضع خطة خاصة بأفريقيا، وأكد المُصدر أن تلك الخطة لن تنفذ سوى من خلال التنسيق بين المجلس وبين وزارة الصناعة والتجارة، وخاصة التمثيل التجارى للاستفادة من مكاتبه الخارجية فى الدول المختلفة وكذلك الاستفادة من الدراسات التسويقية التى يعدها أعضاء مكاتب التمثيل التجارى بالخارج بفضل خبرتهم. وأشار إلى أن هناك تنسيقاً مع قطاع الاتفاقيات التجارية بوزارة التجارة لبحث كيفية الاستفادة من اتفاقية التجارة الحرة القارية التجارية، موضحاً أن المصدرين يتواصلون حالياً مع القطاع المصرفى لتسهيل المعاملات المالية وتوفير المساندة للشركات المستهدف أن تقوم بالتصدير لأول مرة إلى السوق الأفريقية أو حتى الشركات المصدرة من قبل. وأوضح أن مصر بها عدد كبير من المقومات من حيث معدلات الإنتاج وكذلك معدلات التصدير.


مواضيع متعلقة