- مدخل
الليل حالك السواد، ليلة ليست بمقمرة، الغيوم تزداد في السماء، لم أكن أعلم أن النوم سيكون صعبا هذه الليلة، أهي الكوابيس أم الذكريات المفجعة.. مرت الليله ببطء لأنني قضيت نومي في بضعة كوابيس تمنيت أن تنتهي وكان ذلك هو الصراع شديد الانهزامية والعجز، كنت أريد أن أنهي هذه الأحلام السيئة، لا أعرف لماذا كنت أعي جيدا وأنا نائم إن ما أمر به ما هو إلا كوابيس تمنيت أن تأتي أمي لتوقظني ولكن المفاجأة أنها ماتت.
استيقظت ظهيرة اليوم الثاني، ارتديت ما وجدته نظيفا ونزلت إلى شوارع البلدة، أجده يوما حارا، خدعني طقس الأمس فارتديت معطفا رغم سطوع الشمس، لذلك أشعر بحرارة الطقس أكثر من سكان بلدتي.
انزويت إلى شارع السوق المجاور لمنزلي، زحام شديد جميع من حولي يوحدهم البؤس والرعب.. أكملت السير بجانب السيارات الرابضة جانب الرصيف ذو الرائحة العطنة، أشعل سيجارتي لكن "الولاعة" غير صالحة، أظن أنني قد تركتها في المياه داخل معطفي حين كنت أقوم بتنظيفه.
- ما يسمى بالهرتلة
تك تك تك أحاول إشعال اللفافة ولكني تأكدت أن "الولاعة" لا تعمل لعلها تعاندني تهتف لي عبر ال تك تك تك: يا حمااااااااار، تقول لي: سيدي الإنسان، من كانوا قبلك في الغابة اكتشفوا النار وأشعلوها من وحي التصادم بين حجرين أنت الآن مع ذلك التقدم التكنولوجي الجيد جيدا لا تستطيع إشعال قليل من الشرر لتدخن التبغ.
- أأتتهكمين علي، أنت أيضا تمدحين في الأقدمين سحقا لهم
وألقيت بها تحت العربة الرابضة أمامي وإذ بي...
- الهلع
الرجال والنساء يصرخون في هلع يهتفون بفزع: قنبلة، قنبلة أبلغوا السلطات، أبلغوا السلطات، أنظر حولي فاتحا فمي مثل شخص مخبول رأيته في فيلم أبيض وأسود، أحاول تكملة السير متجاهلا ما يحدث مثلما تجاهلت كل شيء مضى.
أجدهم يمنعوني أجسادهم يمنعني من الوصول إلى المنزل زحام شديد أشتم رائحتهم العفنة إلى أن تعلق بي رجلا وظل يصرخ أنت من رميت القنبلة أسفل العربة، أيها المجرم تريد أن تقلب نظام الكون، تريد أن تعبث بأقدارنا وتلوث حياتنا الرائعة، اللعنة عليك. أنظر حولي لا أجد إلا المسخ!
- لم ألقِ بقنبلة هي "ولاعة"
- أه أيها الخائن تريد أن تخدعنا، القضية في غاية البساطة ما هي إلا قنبلة على هيئة "ولاعة"
يستمر الصراخ، لا أعرف أهو صراخ الرعب أم الجنون أم هو من حي الوجع والبؤس، عليّ أن افعل شيئًا يخلصني من هذه الكوميديا السوداء، نزلت أسفل العربة القديمة وبعد ثوانٍ خرجت من أسفلها أصرخ.
- ولاعه أيها الحمقى وليست بقنبلة.
- صرخوا جميعا في وجهي: علينا أن نبلغ السلطات.
سمعت صوت عربات الجنود قادمة أحسست بالرعب رغم أنني لم أفعل شيئًا، الصوت يقترب أكثر ولا أرى شيئا، يقترب جدًا ولا أرى شيئا والناس ما زالوا حولي يسدون الطريق ويصرخون، أنظر أسفل قدمي بإذ بي أجد العربات، عربات السلطة.
وجدت الناس يفسحون الطريق لما تحت قدمهم من عربات في حجم كفي، ويهللون فرحا بالنصر علي فأنا في نظرهم مجرم أريد أن أدمر الكون كله.
الأوغاد
هوب عليك أن تسلم نفسك أيها المجرم، سوف نطلق النار.. أسمع صوتهم ولكني لا أراهم ولا أعرف لماذا أنا هنا ولماذا كل هذه الخزعبلات، لعله كابوس لم أفق منه.
رأيت جنود حقيقيين أتوا من بعيد يهرولون ناحيتي يتوسطهم القائد الأعلى للجنود المجندة صاحب الشارب الأكبر، ميزته عنهم من خلال شاربه العظيم.
الأثداء والشوارب
ينمو بسرعة شديدة فوق فم النساء شارب ضخم ويجف بكاؤهم أجدهن الآن مثل رسم في لوحة قاتمة لا يتحدثون لا أجد داخلهم كأن ما في عروقهن غراء و ليس دم، قلوبهن أصبحت تالفة.. لا روح في الجسد.
هؤلاء الأوغاد الذين خرجوا من عربات السلطة وقفوا أمامي صامتين وقد برزت أثدائهن، كما النساء في الرسوم الإغريقية، وبدأت السماء تعلن غضبها وتصب اللعنات على كل من في الأرض، الأشجار البعيدة رائعة المنظر تحولت إلى أبراج أسمنتية متجهمة، الكون يعلن تمرده.
العجوز الذي يسعى
جاء من بعيد، يلبس السواد، لا أجد شعرة بيضاء في رأسه رغم تقدمه في السن، رغم أنه في سن الشيخوخة، به هدوء شديد وصرامة، تنظر إليه وكأنك وجدت التاريخ كله بمتنقاضاته تجمع في عينيه الضيقة وجدته يتمتم.
يا بناء الأرض كل شيء انقضى، اختل الكون بأجمعه ولا أرى أملا، لا أرى أملا، حولتم إلى مسخ وتناثرت العذابات لتصيبكم باللعنة والخوف.
قال كلماته المعدودة ومشى نحو الفراغ وظل يضحك ساخرا ضاربا كفا بكف.
(الآراء المنشورة كتبها القراء ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع وجريدة "الوطن"، وإنما تعبر عن أراء أصحابها)