مفاوضات القَتَلة

كتب: رجب آدم

مفاوضات القَتَلة

مفاوضات القَتَلة

لا تفى السطور بمأساة «حسين» ابن قرية كوم يعقوب بقنا، ولا تحتويها الكلمات، تبقى دموعه و«حرقة» قلبه على فلذة كبده «يوسف»، 11 سنة، أقسى مما تستطيعه السطور أو تترجمه الكلمات. لا تختفى التفاصيل المروعة لجريمة قتل نجله عن ذهنه ثم طلب فدية انتهاءً بقتله وإلقاء جثته فى بئر لا يفصلها عن بيته سوى 150 متراً، واستمرارهم فى المراوغة والتفاوض على جثة الطفل وطلب المبلغ المتفق عليه. فى مستشفى أسيوط الجامعى يرقد الأب، ينبض قلبه بتكاسل حزين، يقول إنه كان واثقاً من مقتل ابنه، وطلب عدم الاستجابة للجناة الذين أهدروا دمه وقتلوه لمنع افتضاح جريمتهم، فثبت على إصراره بعدم دفع الفدية، واثقاً بالله فى أن ابنه لقى ربه، مطالباً بالقصاص العادل. «الجريمة كلها لم تستغرق ساعة ونصف الساعة»، يحكى الأب باكياً، «دمه فى رقبة قاتليه اللى هم جيرانا، منهم لله اغتروا فىَّ، كانوا فاكرين إنى غنى لأنى شغال فى الكويت، وتوقعوا إن الموضوع هيعدى بسلام وادفع الفدية لكن يوسف الله يرحمه كشفهم، وبعد ساعة ونصف الساعة من اختطافه استشعروا الخطر الداهم الواقع عليهم بعد أن أبلغهم بأنه سيفضح أمرهم فور خروجه من مكان خطفه، فقاموا بقتله بدم بارد! ده تمن غربتى بس تمن غالى قوى». لا تتوقف دموع الرجل: «لا حول ولا قوة إلا بالله! لا فى حياتنا اتخانقنا مع حد ولا لنا خصومة مع حد، مش بيقولوا الصعيد لا يخلو من السلاح؟ إحنا عمرنا ما جبنا شومة حتى، دايماً متغربين، خربوا بيتى الله يخرب بيتهم، عذبوا الواد، لله ما أعطى ولله ما أخذ». وتمالك نفسه فى لحظات متقطعة، وتابع: «أنا راجل متغرب منذ 17 سنة، أعود لمصر إجازة شهر كل سنة عشان أولادى؛ رحاب وأروى، ومحمود، 4 سنوات، ولا أملك غير شقة ومبلغ هزيل من المال، ولكن دفعت ثمن غربتى ضياع أغلى ما أملك، أطالب القضاء بإعدام المجرمين القتلة دون رحمة ولا هوادة». أما أشقاؤه الثلاثة ففى حالة بكاء هستيرى مستمر، حزناً على شقيقهم الأكبر، الذى كان بمثابة والدهم فى ظل غياب والدهم المستمر فى الكويت. والدة الطفل «هناء شحاتة»، التى فقدت ولدها البكر فى لمح البصر، تبدو كأنها فى غيبوبة، لا تريد الحديث مع أحد فهى ترى «كل الكلام خلص»، وتقول: «هاتولى المجرمين الكفرة أقطعهم باسنانى عشان أفش غليل قلبى». أما عمر محمد، زميل القتيل فى الدراسة وأحد جيرانه، والخيط الوحيد الذى أرشد الشرطة عن الجريمة لأنه شاهد «يوسف» مع المتهمين عندما استدرجوه إلى منزل مهجور، فقد قال: «يوسف كان أعز أصدقائى، وكنا نخرج مع بعضنا»، وانهمرت الدموع على وجهه: «أنا فقدت أعز أصحابى». وكشف الحاج خلف الله شاكر، عم «يوسف»، تفاصيل المفاوضات مع الخاطفين وقال: «وقعت الجريمة البشعة بعد ساعة ونصف الساعة من اختطاف يوسف وفقاً لتقرير الطب الشرعى، وكان أول اتصال مع الجناة عبر تليفون يوسف فى تمام الساعة العاشرة من صباح اليوم التالى لوقوع الجريمة، وطالبوا والده بـ200 ألف جنيه كفدية لإطلاق سراحه ثم انقطع الاتصال». وأضاف: «أخذت التليفون من شقيقى حتى أتولى أنا التفاوض، وفى تمام الساعة السادسة من نفس اليوم تلقيت المكالمة الثانية التى قالوا فيها: جهزت الفلوس يا باشا ولّا لسه؟ وإن كنت جهزتها خليك فى الكويت وما تجيش لغاية ما أقلك الفلوس تعطيها لشخص ياخدها منك. رديت عليه وقلت له: كام المبلغ 200 ألف جنيه؟ ولو مادفعتش إيه اللى هيحصل؟ رد المتصل: هادبح الولد. وكان فى الوقت ده يوسف اتقتل، حسب اعترافاتهم»، وتنهد عم القتيل وهو يتابع: «أنا قلت له: لو كان ضميرك يسمحلك تدبح الولد ادبحه. فقال لى: إنت ما بتحبش ابنك ولّا إيه؟ قلت له: باحبه وباموت فيه ولكن أكره الابتزاز. وحبيت ألعب على عواطفه: ممكن أجيب الولد بـ200 ألف، ويأتى الولد ويخرج من البيت تصدمه سيارة ويموت، وانا راجل مؤمن بالقضاء والقدر». وتابع: «قال لى: إنت راجل محترم، وهكلملك الباشا الكبير قوى أنا عبدالمأمور، وأحاول أنزلك المبلغ شوية. وبعد 3 أيام كنت قد أبلغت الشرطة وتتبعت الاتصالات»، وفى المكالمة الأخيرة أخبره بعدم التنازل عن أى جزء من المبلغ، وذلك قبل اكتشاف الجثة بيوم واحد. وحسب ما سجل فى تحريات الشرطة فى مركز أبوتشت، فقد بدأ قاتلوه تنفيذ الخطة «الشيطانية»، حيث تلقت والدته اتصالاً من شخص يدعى «محمد عمر»، 22 سنة، أحد الجناة، ولا يفرق بين منزله ومنزل «يوسف» سوى جدار، قائلاً لها إن زميله «عبدالرحمن» يريده لجلب نتيجة الترم الأول من مدرسة اللغات التجريبية بعزبة البوصة، وكان حينها «يوسف» غير موجود وهاتفه مغلق، وطلب منها عندما يعود للمنزل أن تبلغه أنه سينتظره عند مدخل القرية، على بعد 200 متر وسط زراعات القصب، وبعد عشر دقائق من انتهاء المكالمة عاد «يوسف» وأبلغته أمه بالرسالة. فوجئ الطفل «يوسف» لدى ذهابه للمكان المتفق عليه بوجود «أحمد حسين»، جاره الآخر، ينتظره ويبلغه أن «عبدالرحمن» ينتظره فى المدرسة، واصطحبه حتى قابلا شريكهما الثالث «إسلام ناجى محمود»، 18 سنة. وعلى بعد 100 متر من موقع الجريمة بقرية الكعيمات، قاموا بتوثيقه بالحبال وحملوه إلى شقة فى منزل مهجور، ملك عم «إسلام» يدعى «رأفت محمد»، فى الدور الثالث. «وفى تمام الساعة الواحدة والنصف، وبعد ساعة ونصف الساعة من اختطافه، أثناء دخوله شقة بالطابق الثالث فى العمارة المهجورة، فوجئنا باستغاثة المجنى عليه»، وخوفاً من افتضاح أمرهم قاموا بالتخلص منه عن طريق الخنق، وبعد 6 ساعات من قتله تخلصوا من الجثة بإلقائها داخل بئر خاصة بالصرف الزراعى بزراعات القصب، ووضعوا على الجثة كمية من القش، وذلك على بعد 150 متراً من منزل «يوسف». كان اللواء محمد كمال قد تلقى إخطاراً من مباحث مركز أبوتشت يفيد بالعثور على الطفل المخطوف ويدعى يوسف حسين شاكر، 11 عاماً، من قرية كوم يعقوب. وتمكنت مباحث المركز من ضبط المتهمين، وهم كل من «محمد عمر محمد»، 22 سنة، طالب، و«إسلام ناجى محمود»، 18سنة، و«أحمد حسين محمد عمر»، 15 سنة، طالب. فيما أمر محمد خضير، وكيل نيابة أبوتشت بشمال قنا، بحبس 3 من المتهمين 15 يوماً، والرابع 45 يوماً وإيداعه فى دار رعاية الأحداث لصغر سنه، ووجهت النيابة لهم تهمتى الخطف والقتل العمد.