البداية رائعة، وتقشعر لها الأبدان: الأذان يرتفع من مكة.. يسمعه الناس فى ماليزيا.. يؤمن عليه أهل المغرب.. ويستعد معه المسلمون فى أمريكا للصلاة. النهاية صادمة، وتقشعر لها الأبدان أيضاً: الرصاص ينطلق فى أفغانستان.. فيقتل المتناحرين بالعراق وليبيا وتونس.. لتشيع جثامين الضحايا من لبنان ومصر وسوريا.
ومباشرة، من الفيلم التسجيلى القصير، يتلقى نحو 250 عالماً ومفكراً من مختلف أنحاء العالم الإسلامى السؤال: مجتمع هذا حاضره.. كيف يكون مستقبله؟ وللإجابة عن هذا السؤال، والبحث فى تنقية ثوب الإسلام الأبيض من دنس التطرّف، وتعزيز السلم والمصالحة بالمجتمعات المسلمة، انطلقت أمس بالإمارات فعاليات مؤتمر «تعزيز السلم فى المجتمعات المسلمة».
وفى أول تشخيص للأزمة، أرجع الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير خارجية الإمارات أسباب الشقاق والحروب التى تمزق الأمة الإسلامية والعربية إلى «غياب صوت العقل وانحسار مبدأ الاختلاف الذى جلبت عليه الخليقة، وتصدر أشباه العلماء مواقع الريادة ومنابر الإفتاء واحتلالهم لوسائل الإعلام المتنوعة، فاستخفوا رهطاً من الناس، فانساقوا خلفهم من دون وعى ولا دراية».
ومن أجل عودة الأمة إلى صوابها، شدد على ضرورة أن يعود علماء الدين المشهود لهم بالعلم والفضل والوعى بمقتضيات العصر وتغيرات الزمان ليكونوا فى الواجهة، مضيفاً: «لا تأثير لعالم منفصم عن واقع أمته وغائب عن فهم ما يجرى، الأمر الذى يحتاج إلى تجديد الخطاب الدينى ليكون عقلانياً ومتزناً ونابعاً من حاجات الإنسان».
وفى لقطة رائعة لبيان الاختلاف الشاسع بين الإسلام الصحيح والفهم الخاطئ لصحيح الإسلام حالياً، قال: «النبى عليه السلام وهو المؤيَّد بالوحى والمبعوث بالحق رفض إطباق الأخشبين على قومه الذين كذّبوه.. وآذوه». وتابع متسائلاً: «اليوم ماذا سيكون حال هؤلاء الذين يستغلون الدين لأغراضهم الشخصية لو عرض عليهم إطباق الأخشبين على مخالفيهم.. أتراهم يترددون؟».
وأضاف: «نتطلع لئلا يكون اجتماعنا اجتماعاً اعتيادياً وظاهرة خطابية نناقش فيه قضايا مهمة بطريقة عابرة، ثم يعود كل واحد من حيث جاء خالى الوفاض، بل نرجو أن تخرجوا بمبادرات جديدة ترنو إلى إصلاح ذات البين وإعادة المتناحرين من المسلمين إلى جادة الصواب والحكمة والأمانة». ووجه كلامه إلى العلماء الموجودين بالمؤتمر قائلاً: «لن نتدخل فى عملكم، بل سنستنير به، وسنضع أيدينا فى أيديكم لنعمل معاً على بث المحبة ونشر السلام بين البشر بالكلمة الطيبة التى غرست فى هذه الأرض الطيبة».
ومن جانبه، ركز فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، فى كلمته، على فكرة المؤامرة الغربية ضد المسلمين والعرب، قائلاً: «لا أعول كثيراً على نظرية المؤامرة الغربية كباعث رئيسى لما يجرى فى بلادنا، ولكن ما يجرى على الأرض يؤكد أننا على مسرح عبثى وفوضوى يشير إلى تلك الحقيقة السوداء التى تحركها الأيادى من وراء ستار». وأضاف: «من نشأة العالم قبل نحو 3500 عام لم ينعم بالسلام إلا فى حدود 280 سنة فقط. إذن، الحقيقة الواضحة التى يكشف عنها مفكرو الغرب أن الحضارات الكبرى تؤمن بأن القوة هى التى تحقق السلام، لذلك تخترع لها عدواً إن لم تجد، من أجل تحقيق غاية القوة والسلام بحسب مفهومها له». وأرجع أهم أسباب الإرهاب إلى «حق الفيتو» الذى تستخدمه الولايات المتحدة الأمريكية فى النزاع الصهيونى - الفلسطينى، مشيراً إلى أن نظريات مثل «صراع الحضارات» و«نهاية التاريخ» و«الفوضى الخلاقة» ما هى إلا «دعوات شيطانية» علينا الرد عليها بـ«نظرية التعارف» من أجل إنسانية مستقرة لا تعرف الخوف إلا الخوف من الله. وتابع: «آن الأوان لأن نخطو خطوات واسعة نحو مفهوم السلام العادل».
وتساءل: مصانع السلاح فى أوروبا والولايات المتحدة لا تتوقف لحظة واحدة عن العمل، بينما الحرب ممنوعة هناك. لماذا إذن تعمل تلك المصانع بكل هذه الطاقة، وتعمل فى القوت نفسه على زيادة بؤر الصراع وتأجيجها لدينا؟
وشدد شيخ الأزهر على أن ميثاق النبى صلى الله عليه وسلم، حقق أهدافه فى «السلام»، بينما لم يستطع ميثاق الأمم المتحدة أن يحقق أهدافه فى إنصاف المظلومين والضعفاء، مرجعاً السبب فى ذلك إلى أن الإسلام كان صادقاً فى دعوته، وأنه لم يكن يعمل من أجل المسلمين والعرب فقط، بل كان للناس جميعاً، وكم من الآيات القرآنية التى تؤكد ذلك. ولفت إلى أن كلمة «سلام» وردت فى القرآن 41 مرة، بينما كلمة «حرب» لم ترد إلا 4 مرات فقط.