م الآخر| عفوا.. لقد نفذ رصيدكم!

كتب: مصطفى نصرالدين

م الآخر| عفوا.. لقد نفذ رصيدكم!

م الآخر| عفوا.. لقد نفذ رصيدكم!

حينما كنتُ في السابعة من العُمر، حيث البراءة المُفرطة، والمشاعر الصادقة التي يُغلف بها قلوب الأطفال، كنتُ أظن أن الحياة ستبقى كما هي، فتبقى ألوانها رغم اختلاف العقول، ويبقى هوائها رغم تغير العقود، وتبقى القواعد رغم العبث، ويبقى الأمل هو سلاح الردع أمام الأزمة. ولكن سُرعان ما تبلدت المشاعر وتغيرت، وماتت روح الصدق لتفرغ مكانًا لروح الزيف والكذب، لتلطخ أحبار الجرائد بسلاسل من الحوادث، دون أن تحرك فينا قيد أنملة إزاء حرفًا منها. ودعوني أذكر البعض بالذهول والخوف الذي كان يملئكم، حين كنتم في زمن الثمانينيات والتسعينيات تقرأون مثل هذه الأخبار في جريدتكم اليومية، كـ"مصرع مواطن على قضبان السكك الحديدية"، أو "أب يقتل أولاده بسبب ارتفاع الأسعار"، أو "إغتصاب طفلة في الثامنة من العمر"، فكلها أخبار كانت تهيج ألسنة الرأي العام، بل وتحرك بداخلنا ما يُسمى بـ"المشاعر"، هل فقدتم هذا الشعور؟!، أم تاه عنكم وأنتم عنه تبحثون؟!. ووصلنا إلى 2014، وننادي بالحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية والعدالة الإجتماعية، وغيرها من الشعارات التي لا تُغني ولا تسمن من جوع، مادم تطبيقها لم يرتطم بأرض الواقع حتى الأن. وأصبحنا نعتاد النهوض من النوم على أخبار الحوادث، متسائلين: "كم عدد الضحايا اليوم؟" و"كم من رجال الأمن، وكم من رجال الجيش؟"و "كم من جماعات الإخوان؟"، ونسينا أننا جميعًا مصريين، ولا يُمكن وضع "طوبة" على أرض هذه البلد مادامت "الفرقة" هي سيد الموقف، ومادمنا نشاهد ونقرأ في أخبار الحوادث، عن أطفال ماتوا في حادث قطار بعام 2012، والشباب الذين توفوا في سانت كاترين منذ أسابيع، والمصريين الذين قتلوا في ليبيا، ورجال الشرطة الذين لاقوا مصرعهم بعدة مديريات، والجنود الذين قتلوا في رمضان 2012، وشباب الجامعات الذين تهدر دمائهم على أراضِ الوطن في كل يوم. ومن الملاحظ أن مثل هذه الأخبار، نظرًا لجرعتها الزائدة في السنوات الماضية، أصبحت تطعم قلوبنا بـ"المناعة" لتمنع إستثارة مشاعرنا، أو التأثير علينا أمام هذه الأحداث الكارثية، بل وأصبحنا نتابعها عبر شاشات التلفزيون وكأننا نشاهد فيلمًا أو مسلسلًا تعددت حلقاته بشكلِ مبالغ فيه. وأخيرًا في نظرة إلى الأمام، ماذا عن أجيال ولدت وتربت في وسط هذه الظروف؟!، وتعتاد هذه الأخبار، وتعيش في هذه الأحداث، أتسائل: "من منهم يُمكن أن يكون رئيسًا لهذه البلد، أو وزيرًا ، أو مسؤولًا، وهذه الأحداث تربت معه منذ الصغر، هل لو أصبح رئيسًا سيتأثر بموت شباب الوطن، أو زيادة نسبة الفقر والبطالة، أو حادث إرهابي لضرب السياحة، أو عملية إرهابية تستهدف رجال الأمن؟!، الإجابة: "أكيد لأ"، فهم إعتادوا عليها منذ الصغر. خلاصة القول: "عفوًا.. لقد نفذ رصيدكم من "المشاعر" وتبلدت". (ملحوظة: الآراء المنشورة في قسم "م الآخر" كتبها القراء، ولا تعبر بالضرورة عن رأي موقع وجريدة "الوطن"، وإنما تعبر عن آراء أصحابها)