م الآخر| شيئًا اسمه الأمل

كتب: جوزيف تامر

 م الآخر| شيئًا اسمه الأمل

م الآخر| شيئًا اسمه الأمل

على غير هدى وجد نفسه يسير.. لا يدري إلى أين تقوده قدماه.. هو أيضًا لم يبالِ بهذا.. كان يجول في عتمة ذلك الليل البهيم بوجهٍ جامد الملامح بينما تكشف عيناه عن الكثير. إنه مثقل بالهموم.. لا بل هذا تعبير بسيط عما يعانيه .. إنه يشعر وكأن منكبيه الضعيفان يحملان جبالًا من المشكلات التي تجد على باب كل منها لافتة تقول: "معذرة، إنّي بلا حل". إنها ليست أول مرة يقابل فيها المشاكل ولكن المشاكل هي التي تقابله بهذه الطريقة لأول مرة. بدا له الليل مدعاة أكثر للكآبة .. حتى برغم هذا البدر الذي يقولون أنه ينير الظلام .. إنهم مخطئون بالتاكيد .. فهو يرى أن الظلام ربما يكون أفضل قليلًا بدون الجو الرمادي السخيف الذي يشيعه هذا.. البدر. لا يعرف بالتحديد لماذا جاءت به قدماه إلى هنا ... إلى ذلك الشاطئ .. ذلك الشاطئ الذي يذكره بأيام طفولته وصباه .. وكم من مرة جاء إليه مع الأسرة الكريمة .. على ما يذكر كانت تلك الرحلات الصغيرة مبهجة ينتظرها هو دائماً .. فما بال هذا البحر يتغير الليلة ؟ ... لماذا أصبح البحر ثقيل الظل هكذا دون مقدمات؟ لماذا تُزاحِم أمواجه بعضها بعضًا إلى أن تصطدم بصخور الشاطئ بعنف متعمد؟ ثم أليس هذا البحر هو ما تغنى به هؤلاء الرومانسيون مسهبين في وصف رقته وجماله؟ أين هذه الرقة وأين هذا الجمال ؟!! إنه لا يرى في البحر سوى رائحة كريهة ومياه حالكة السواد وأمواج متصارعة. لا إراديا وجد نفسه يجلس على الرمال وعيناه لا تفارقان مشهد ارتطام الأمواج بصخور الشاطئ. إنه لا يعرف لماذا ذكره هذا المشهد بحاله. ربما لأن همومه وأحزانه - السوداء كلون المياه - تتصارع داخله وترتطم في النهاية بصخرة جبارة أسمها اليأس ... رأى من بعيد طفلة صغيرة تلعب على الشاطئ وهي تغني مبتسمة .. كيف تجد هذه الصغيرة في نفسها القدرة على الابتسام هكذا ؟؟!! إما أنها ساذجة لا تدري بالكم الهائل من المشكلات والمصائب التي تدورحولها .. أو أنه هو الذي خُلق من طراز خاص وُجد في الحياة فقط ليكون وعاء للهموم والأحزان .. وفي أي من الحالتين لن يتغير شىء ... ستظل مشاكله بداخله تبحث عن منفذ .. ولكن هيهات .. إن كؤوس الإحباط والمعاناة خُلقت له وحده .. إنهم يقولون أن لكل ابن آدم قَدَرَه الخاص .. لماذا هو إذاً ؟؟ لماذا يشعربأنه حالة فريدة من الغم و التشاؤم ؟ لماذا وقع عليه هو الاختيار ليذوق تلك المرارة اللعينة وهناك من يلعب ضاحكاً كتلك الطفلة المستفزة ؟ لماذا ؟... لماذا ؟.... غاص في أفكاره بدون أن ينتبه للوقت الذي يمر، وبالتالي لم يفطن إلى الليل الذي بدأ يلملم أذياله ........ وإذ بشعاع ذهبي يقع على عينيه الذابلتين المنطفئتين فيضيئهما .. إنه يعتدل في جلسته .. ونور الشمس يغمر وجهه.. بل وعقله أيضًا ... هناك شىء غريب يحدث .. الأمواج المتلاطمة أصبحت هادئة .. الكون الذي كان متشحًا بالسواد صار يرتدي ثيابًا ملوكية من أشعة الشمس الذهبية .... ولدهشته وجد وكأن هناك بسمة هادئة قد ارتسمت على كل شىء من حوله .... ماذا يحدث؟؟.. الكون هو الكون .. البحر هو البحر .. الدنيا هي الدنيا .. شعر بإحساس غريب يتسرب في تؤدة إلى داخله .. إحساس لم يشعر به منذ فترة ليست بالقليلة .. إحساس يطلقون عليه أسم "الراحة" ... ما السبب إذًا ؟ - هكذا خاطب نفسه - هل هي الشمس؟ ... لا أظن ... أظن أني قد أدركت الآن .. فالسبب لا يكمن في الشمس ، بل في تلك اليد القديرة التي تشعل لنا الشمس بل وتدير لنا هذا الكون .. إنها يد الخالق العظيم القادرعلى كل شىء .. والذي تصبح كل تلال المشاكل والهموم والمصائب والكوارث لا شىء أمام قدرته اللانهائية ... هكذا فكر ... ثم قام من مكانه عائدًا إلى حياته المليئة بالهموم والمشاكل .. سائرًا في نفس تلك الشوارع التي أتى منها .. لكن هذه المرة قدماه تعرف إلى أين تسير .. لم تختف المشاكل ولاتبددت الهموم .. ولكنه عاد هذه المرة ومعه شيئًا كان يفتقده بشدة .