م الآخر| التجربة الهولندية

كتب: مصطفى نصرالدين

 م الآخر| التجربة الهولندية

م الآخر| التجربة الهولندية

ما إن بدأت الحياة في غلق أضوائها، وصارت في بوادر الزوال، حتى غزى كل منا شعور الوحدة، ليأقلم نفسه مع بيئة خالية من البشر، وطبيعة أحن ما فيها هو حضن الفراق، ثم نكتب ذكرياتًا من وحي الماضي، ونرسم حروفًا من أيام الزمان، ليصعد بنا العمر إلى شعور الكبر والعجز، ويعطي للعقل إشارة استعداد الرحيل. و"طبعًا محدش واخد منها حاجة"، فهذه أصدق حقيقة صنعها لنا العمر، فلكل منا حُلمًا، ولكل منا أمال يخطوا سعيًا في تحقيقها، كالحب والعمل والهدف. ونعي جيدًا أن العمر هو صديق الإنسان، والعقل هو لسان الروح، والقلب هو نبض لذكريات الماضي، التي قد نستشعر الحرج من بعض منها، وأخرى قد تزرع بنا حنين العودة لها. جالت في رأسي هذه الخواطر وأنا أشاهد تقرير قناة الـ"CNN" الذي اقترحه عليّ صديقي حسام عصام، فقد عرض التقرير علاج بسيط لمرضى الخرف الذهني، والذي يصاب به كبار السن في أغلب الأمر، وذلك بعيدًا عن استخدام الأدوية والعقاقير الكيميائية، وإنما من خلال قرية تم انشاءها في نيزرلاند بهولندا بعنوان "Dementia Village"، تضم فيها مرضى الخرف الذهني، لعلاجهم بطريقة عملية وعلمية بعيدًا عن الطرق الإعتيادية. ويذكر أن مرض الخرف هو عبارة عن "تدهور مستمر في وظائف الدماغ ينتج عنه اضطراب في القدرات الإدراكية مثل، الذاكرة والاهتداء والتفكير السليم والحكمة، لذلك يفقد كثير من الذين يعانون من الخرف قدرتهم على الاهتمام بأنفسهم، ويصبحون بحاجة لرعاية تمريضية كاملة؛ ومن خلال التقرير الذي أذاعته الـ"CNN"، وتبينت فيه ملامح تلك القرية التي تترواح مساحتها ما بين 15 إلى 20 فدان، وتفترشها الأشجار والمساحات الخضراء، والمباني المعمارية البسيطة التي تحتضن بداخلها المرضى، ظهر العديد من المرضى الذين كانوا متأقلمين مع الوضع، حيث المطاعم ومحلات التسوق والكوافير وغيرهم من الخدمات التي يحتاج لها أي "بني آدم". والسؤال، ماذا يمكن أن تفيدنا تلك المبادرة وذلك المشروع الإنساني الذي يراعي بين سطورة كرامة الانسان، وحقه وسط المجتمع البشري؟، فلماذا لم يفكر رجال الأعمال، وأصحاب المال، في تبني مشروعًا إنسانيًا مثله؟!، وبدلًا من التحيز للفقراء على أوراق الشعارات والافتات المُبهته بحروف النفاق والرياء، يقوموا باستغلال قطعة أرض مماثله لـ"Dementia Village". ويمكن عمل قرية تأوي الفقراء والمحتاجين ومن لا مأوى لهم، وعمل مشروعات داخل تلك القرى يربحون من خلالها، مثل ورش نجارة وخياطة وأعمال يدوية وغيرها من المهن البسيطة التي تشعر ممتهنيها بالكيان والاستقرار، وأن يكون لهم مسكن ومأكل ومشرب ودخل ثابت من صنع أيديهم، وحياة كريمة تتساوى في زواياها مع حياة المواطن العادي. وأضيف، ليس فقط من الضروري الإعتناء بالفقراء من خلال هذه المشروعات كما ذكرت، أو بمرضى الخرف الذهني كما ذكر التقرير، ولكن يمكن أيضًا رعاية المساجين المفرج عنهم، ورعاية الأمهات التي راح أبنائها ضحايا حادثًا، ورعاية أطفال الشوارع الموجودين في كل شارع وكل حي، بدلًا من أن يصبحوا سارقين و"بلطجية". خلاصة القول: "مبادرة تستحق التأمل يا ريس".