هجر الرئيس السابق «مبارك» المنصب والكرسى، مُبعَداً ومطروداً فى 11 فبراير 2011، وكان فى السابق دائماً ما يقول إنها جولته الأخيرة فى القصر الرئاسى، وإنه لن يترشح ثانية، ولا ينتوى الترشّح أبداً، لأن خدمة البلاد أجل وأعظم من أى منصب أو كرسى، ثم لا يلبث أن يخرج علينا فى اللحظات الأخيرة، ليؤكد أن مصلحة البلاد اقتضت ذلك..!!
كان يرى أنه وحده الأقدر والأجدر على تقدير مصلحة البلاد..!!
وبعد سقوط «مبارك» وظهور الإخوان وتنظيمهم وجماعتهم، أكدوا أنهم لن ينافسوا على المقاعد البرلمانية (الشعب والشورى) كلها، لأن الشعب بالكامل شارك فى إسقاط «مبارك»، ولذلك لا بد أن يتشارك الجميع فى الحكم والسلطة..
فلما بدأت الانتخابات، رأيناهم ينافسون على جميع المقاعد، وكانت مبرراتهم هى مصلحة البلاد..
كانوا يرون أنهم وحدهم الأقدر والأجدر على تقدير مصلحة البلاد..!!
وللأسف فإن الكثير من المصريين، بل ممن نسميهم نخباً سياسية، أوحى إلى الإخوان وقياداتهم بأنهم التنظيم الوحيد (بعد سقوط «مبارك» وحزبه الوطنى) القادر على إدارة البلاد فى هذه المرحلة الحرجة، وإعادتها إلى الطريق الصحيح..
آخرون دفعوهم إلى الحكم والسيطرة على مقاليد الأمور، بالإضافة إلى أنهم كانوا مستعدين لأن يحكموا، بل ويملكوا، فهم متأكدون أن هذه الفرصة لن تتكرر ثانية أبداً إلا بعد عقود..
وكأنهم كانوا يساقون إلى حتفهم، كالأنعام، بل هم أضل..
أرادوا أن تكون لهم الشيلة كلها..
فاستأثروا بها وحدهم دون غيرهم..
فقبل كل انتخابات (برلمانية، ورئاسية)، الجميع يعلن الزهد فيها، وأن خدمة البلاد والعمل الدؤوب من أجل نهضتها، أجلّ وأشرف من حكمها..
لكن الجميع يخرجون فى اللحظات الأخيرة عن عهودهم ووعودهم، مؤكدين أن دافعهم لنقض العهود والمواثيق والحنث بالأيمان المغلظة، هو مصلحة البلاد التى احتكروا إدراكها دون غيرهم..
أفلا يعلم السادة الطامعون فى الحكم والملك والسيطرة، والمبررون لذلك بمصلحة البلاد، أنهم ينقضون ما عاهدوا المصريين عليه؟!
يا سادة، مَن نقض عهده مرة، سينقضه آلاف المرات..
الجميع يزعم أنه يريد مصلحة البلاد، رغم أن الجميع يتكالب على الكراسى والمناصب، فإذا ما وصلوا إلى الكراسى والمناصب، نسوا مصلحة البلاد وتفرّغوا لمصالحهم الشخصية.. ينسون مصلحة البلاد ويتفرغون فقط لتثبيت ملكهم، وليس حكمهم..
يا سادة من أراد منكم مصلحة البلاد، فإن مصلحتها فى أيدى المزارعين وتحت فؤوسهم..
مصلحة البلاد ليست فى الحكم وحسب، بل هى فى تروس المصانع المتوقفة قبل أن تدار، من أجل التكهين والبيع بأبخس الأثمان..
أرجوكم.. لا تخدعونا بمصلحة البلاد ثانية، فقد مللنا ذلك، وتأكدنا أنكم تشترون مصلحتكم بمصلحة البلاد..
فليس من مصلحة البلاد أن يحكمها رئيس مُلهم أو ملك مُتوّج.. بينما تكون مصانعها متوقفة..
وليس من مصلحة البلاد أن يكون فلان أو علان حاكماً، بينما يزرع الفلاحون أراضيهم بالأسمنت وحديد التسليح، بدلاً من زراعتها بالمحاصيل.
ليس من مصلحة البلاد أن يكون لها حاكم يعبده أهلها (أياً من كان).. بينما لا ينعم أهلها بالأمن والأمان.
أيها السادة الذين تدّعون مصلحة البلاد..
أديروا تروس المصانع المتوقفة..
وازرعوا الأراضى البوار والموات..
وصونوا للناس أمنهم وكرامتهم..
عندها تتحقق مصلحة البلاد وأمنها..
ويكون من حقكم أن تكونوا زعماء أو حكام أو حتى آلهة، إن أردتم..