ألوان

كتب: ناريمان أحمد عثمان

ألوان

ألوان

لم أشأ أن أيقظه فقد قضي ليلة مرهقة لذلك قررت أن أتركه و أرحل في هدوء. هكذا كان دائماً لقائنا في الآونة الأخيرة ربما لا نتحدث كثيراً و لكن كنت أتحمل وجودي معه في غرفة واحدة و لا نتبادل أى كلمات. في اليوم التالي ترك لي رسالة علي جهازي المحمول: "أنا في انتظارك الليلة كالمعتاد" صمتت لبرهة ثم تنهدت و قلت لنفسي: "ليلة اخري اخيرة اتحملها ثم ينتهي كل شئ"، لكن في قرارة نفسي كنت أرغب بشدة في أن أحدث تغييراً لنمط أحداث كل ليلة، و لن اكذب علي نفسي فقد كان قلبي ملتاعاً و لا يرغب في مزيد من الانتظار.. عندما حل الظلام ارتديت اجمل ثوب لدي و لا أعرف لماذا، و صففت شعري بشكل هادئ مختلف عن المظهر الصارخ الذي ابدو عليه كل ليلة، حتي اصبح سكان المبني يشكون في سلوكي بسببه والجميع يعرف كيف هي نظرات الجيران.. عندما وصلت للشقة أخذت نفساً عميقاً ثم طرقت الباب بهدوء، وانتظرته و قلبي يدق كالمطرقة، ثم فتح الباب و كان يبدو مرهقاً وغير مهندم المظهرو الألوان منتشرة في معظم تقاسيم وجهه منذ تركته في الليلة الماضية، و رغم هذا التكاسل الذي يبدو عليه الا انني لمحت نظرة اعجاب سريعة و مخفية، فابتسمت و لكني سارعت باحفاء تلك الابتسامة بسرعة حتي لا يلاحظها. "لماذ لم ترتدي الثوب الذي نعمل به كل ليلة؟" "أنا آسفة و لكني لاحظت مؤخراً ان هناك من يتبادلون الهمس كلما رأوني و أنا أرتدي تلك الألوان الصارخة و هم لم يعتادوا ذلك مني" و امتلأت عيناه غضباً و احمر وجهه بشدة قائلاً "كيف يجرؤون أن ينظروا لكي بأي شكل من الأشكال" "لا تنسي أني أعيش وحدي الآن و اصبحت فريسة لكل شخص" وانتظرت ان اري رد فعله و خاصة ان نبرات صوتي قد هدأت بشدة و صارت اقرب للهمس، فوجدته قد أشاح بوجهه بعيداً متجاهلاً كلماتي و ساد الصمت بيننا. "عموما لا تقلق لقد أحضرت معي الثوب وأدوات التجميل و سأقوم بتغيير ملابسي في الداخل و ستستطيع معاودة عملك دون تأخير و لكن بشرط" فنظر باندهاش "أي شرط هذا الذي تتحدثين عنه ألم نتفق ؟" " بلي، و لكني أريدك أن تنهي عملك اليوم لأني لا اريد أن ابقي هنا مرة أخري، و بذلك أعتبر أنني أنهيت اتفاقي معك و كل منا يعود لاستكمال حياته بشكل طبيعي دون مضايقات" فاستشاط غضباً و قال "أنتي لا تحددي متي أبدأ و متي انتهي و إن شئت سأبقيك هنا الي الأبد و العقد ينص علي التزامك مادامت اللوحة لم تنتهي و الا ستضطرين الي دفع الشرط الجزائي" و اختنقت الكلمات في حلقي و قاومت الا ابكي اثر قوله تلك الكلمة الأخيرة و قلت "اذا سأدفع الشرط الجزائي و بهذا يصبح العقد لاغي و ابحث عن وجه آخر كي ترسمه" قلت تلك الجملة و أنا أوشك علي الانهيار و قد هممت بالخروج من المنزل و لكنه استوقفني باكياً " ارجوكي لا ترحلي "ووجدت الدموع تنهمر من عينيه و شعرت كأن ابني هو الذي بين أحضاني لا اقوي علي تركك "أنا اخترعت هذه اللوحة وتذكرت هذا العقد القديم خصيصا عندما وجدتك بعيدة عني و انا لا استطيع ان اعيش بعيداً عنك و كنت اتعامل بهذا الجفاء معكي لأنني كنت اشعر بالخزي من نفسي و لا اقوي علي النظر في عينيكي التي تحمل كل الاتهامات نحوي" نظرت اليه و هو يجثو علي قدميه و قد حوط خصري بذراعيه و كأنه يحاول الا يفلتني من بين يديه و عينيه تملأها الدموع و لم أستطع الا اربت علي رأسه فقد افتقدته بشدة رغم انني اتذكر انه خانني لكني لم استطع أن أنسي أنني أحبه .. لا بل أعشقه و أتذكر كيف بدأت قصة حبنا عندما اشتركنا لأول مرة في جدال ودي دار علي لوحة لبيكاسو في متحف الكلية عندما كنا طلبة و كيف كان حنونا و قويا في آن واحد و تخرجنا سويا و قد خاط الحب أجمل قصة في كلية الفنون و توجت بزواجنا و استمررنا في العمل سويا وو اقمنا العديد من المعارض حتي اصبح صيتنا عاليا في السماء و في يوم من الايام طلب مني ان احضر له بعض الفتيات كي يرسم وجوههم مقابل اجر محدد و وافقت علي رأيه و احضرتهم له بنفسي و لكن للأسف لقد أحضرت الغدر الي بيتي بنفسي دون أن ادري و لم اعلم ان احدي تلك الفتيات كانت تحوم حول زوجي بشكل غير اخلاقي و حاول هو مقاومتها و لكن الشيطان كان قد سبقني الي هناك و وصلت انا متأخره لأجده بين احضانها و فرشة الألوان المائية في يد تلك الفتاه تعبث بها في وجه زوجي بكل وقاحة.... نظرت الي وجهه و هو كالطفل بين يدي و لا اعلم ماذا افعل "سامحيني انا لا احب و لم احب احدا سواكي، لقد اغوتني هذة الفتاة المراهقة و كنت اموت كل ليلة كمدا علي ما حدث و علي فراقك و شعوري بانني خنت حبك، و لم اعرف كيف اصل اليك بعد ان ضيقتي علي كل السبل و قطعتي كل طريق يقربني اليك فاضطررت الي ان افعل تلك الحيلة من اجل ان اعيدك،ان اعيد الحياة الي قلبي مرة اخري" يا الهي، انا اعرف معني تلك الكلمات جيدا، اعرف انها الحقيقة فهو لا يكذب و لم يكذب علي مرة قط، لكن ما زال قلبي يتألم مما رايته مسبقا في هذا المنزل لكنني ايضا لا اقوي ان احيا بدونه ماذا افعل ؟! جثوت علي ركبتي و مددت يدي بقطعة قماش و بللتها ثم اقتربت من وجهه و اخذت امسح الألوان التي لوثت وجهه و عيناي لا تفارق عينيه و عندما انتهيت وقفت و امسكت بيديه ثم خرجنا سويا من المنزل و اغلقنا الباب خلفنا.