بداية السنة مش زي آخرها.. 4 دول عربية تسير على طريق التصحيح في 2019
بداية السنة مش زي آخرها.. 4 دول عربية تسير على طريق التصحيح في 2019
ببداية هادئة حلَّ العام الميلادي 2019، لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السُّفن، ففي أربع دول عربية اشتعلت الاحتجاجات في توقيتات مختلفة، فسقط نظام الرئيس السوداني عمر البشير الذي سيطر على مقاليد الحكم في بلاده منذ 30 عامًا، وتخلى عبدالعزيز بوتفليقة عن حكم الجزائر الذي بقي فيه منذ تسعينيات القرن الماضي، وتشبث بالحكم في السنوات الأخيرة وهو على كرسي متحرك.
وطالت الاحتجاجات "سويسرا الشرق" لبنان، ما أدى إلى استقالة حكومة سعد الحريري ورفضه لتشكيل حكومة ثانية، وفي العراق خرج مواطنوه عن صمتهم ورفضوا التدخلات الإيرانية في بلادهم، فاختلفت بدايات العام عن نهايتها في هذه الدول.
"مايا".. قلب امرأة لبنانية ينبض في روح المقاومة
على بعد عدة أميالٍ من بيروت، بدأت رحلة مايا كركي تشق طريقها لزيارة عائلتها في الضيعة، لكن مخارج العاصمة اللبنانية أغلقت، لم تتمكن من العودة مرة أخرى، فتركت نفسها للقدر الذي قادها إلى النبطية التي لم تستطع الخروج منها.
في السابع عشر من أكتوبر الماضي، اندلعت الاحتجاجات إثر فشل الحكومة اللبنانية في إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية التي تلوح في الأفق، حيث بدأت بشكلٍ مباشر إثر الإعلان عن خطط حكومية لفرض المزيد من الضرائب على البنزين والتبغ، إضافة إلى استحداث ضريبة على استخدام تطبيقات المكالمات الهاتفية عبر الإنترنت مثل تطبيق واتساب، والتي تقرر التصديق عليها في 22 أكتوبر 2019، وتوسعت الاحتجاجات حيث بدأ المتظاهرون بالمطالبة بإسقاط الرئاسات الثلاثة في لبنان.
وحيدة في النبطية، لا تعرف مايا أي شخص فيها، فلا صديق أو زميل دراسة أو أي من أفراد عائلتها، فتسللت احتجاجات "بلاد الأرز" إلى قلبها المختلج، لتصبح واحدة من أهل البلدة التي حلت عليها غريبة، فعلى مدار شهرين اعتصمت وتظاهرت مع أشخاصٍ لم تربطها بهم أي صلة، فشاركتهم حلمهم بحياةٍ أفضل، نادت معهم بمطالب واحدة، استظلت برفقتهم تحت راية الوطن.
"اقتسمت المنقوشة مع أهالي النبطية، منعنا من تثبيت مسمارٍ واحدٍ في الأرض لنصب خيمة، والتي قاومنا حتى تستمر لمدة 15 يوما، حيث لم تكن مهمتها سياسية في المقام الأول بل أصبحت عبارة عن مركز لتلبية مطالب المواطنين، ومساعدة الفقراء، وحرقت منذ 5 أيام تقريبا"، بحسب حديث مايا كركي لـ"الوطن".
لم يتعرض أهالي النبطية وضيفتهم مايا لمن عارضوا الاحتجاجات، رغم الهتافات المناهضة لهم والسباب الذي كان يوجه لهم، واتهامهم بأنهم ضد المقاومة، فقد كان المحتجون يرون أن المقاومة الحقيقية تتمثل في مقاومة الفساد الذي نخر في جسد الدولة اللبنانية، ولم يلتفتوا إلى تلك الهتافات الجارحة.
فلسفة الاحتجاج لدى مايا لم تكن من أجل المعارضة المجردة، بل لأنها رأت أنه من حقها استخراج "ضمان شيخوخة" لأهلها، ولولا الفساد لما سافر أخوتها وأصبحوا مغتربين عن وطنهم الأم، كما أن المحسوبية آلت إلى رؤيتها في حالات من بين الأهل والأصدقاء والجيران حصلوا على قدر من التعليم وصل إلى حد الدراسات العليا ويقبعون في منازلهم أمام كتبهم الجامعية يتحسرون على وقتهم المهدر في البحث عن العلم والسعي إلى العيش بكرامة من خلاله.
"أحب الاستماع إلى مشكلات الناس".. بنبرةٍ حزينة استكملت مايا حديثها عن رفقاء الميدان في النبطية، فمنهم من كان يتعلم وتوقف عن تعليمه لعدم توفر تكاليف الدراسة، ومن جلس على الرصيف يفكر في مستقبل مجهول دون وظيفة تُؤمن له لقمة عيش، وفقيرا لم توفر له الدنيا شيئًا مجانيًا سوى شهيق وزفير صار يخاف من فرض الحكومة ضرائب على الهواء، فيصبح إنسانًا شبه حي بملابس رثة ورئة تنهكها الديون.
أصعب موقف مر على مايا خلال فترة الاحتجاجات كان لرجلٍ خمسيني تحترمه، يبكي بحرقة في أثناء تكسير الخيمة قبل حرقها من قبل المعارضين للتظاهرات، حيث تحولت الخيمة إلى مصدر للمساعدات، وتسلم التبرعات بداخلها حتى لا يسبب إحراجًا للمحتاجين، إضافة إلى الندوات الثقافية للشباب.

وتختتم مايا حديثها لـ"الوطن": "من حقي أعيش كإنسان، أحمل هم الطبيب الذي أذهب إليه ويطالبني بفحوصات ذات ثمنٍ مرتفع، أحمل هم أمي المريضة التي لا تمتلك ضمان الشيخوخة".
الحراك يطيح ببوتفليقة.. وتبون يحكم الجزائر في ديسمبر
في الثاني من أبريل 2019، قدّم الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة استقالته رسميا للمجلس الدستوري قبل انتهاء ولايته بثمانية وعشرين يوما، استقالة الرجل الذي حكم الجزائر من تسعينيات القرن الماضي، جاءت بعد بيان شديد اللهجة لقائد الجيش الفريق قايد صالح، طالب فيه بإنهاء رئاسته.
"الحراك في البداية كان منظمًا في ظل الأحداث المتسارعة، والتي نَجَم عنها تظاهرات شعبية سلمية التي شهدتها المدن والجامعات والمحاكم في الجزائر، ونجحت في تحريك المشهد السياسي والإعلامي، وخلق ديناميكية في الجمود القائم الذي عجزت عنه النخبة والأحزاب السياسية، وحتى وسائل الإعلام في البلاد حينها"، بحسب حديث محفوظ شخمان، المكلف بالإعلام في المجلس الوطني لمكافحة الفساد بالجزائر لـ"الوطن".

ويرى شخمان أن الحراك استعاد إحدى أدوات التغيير السلمي، وهي المظاهرات، ما سيؤدي حتمًا إلى استرجاع الباقي، وفي مقدمتها وسائل الإعلام بمختلف أنواعها، إضافة إلى عامل آخر مهم وهو تطور وسائل التواصل الاجتماعي، وتحكم الجيل الجديد فيها، ما ضاعف من أزمات النظام، في ظل عدم قدرة الطبقة السياسية المعارضة على بلورة خريطة طريق؛ لفرضها على السلطة بسبب الأبوية والزعامة، وانتهاجها النهج التكتيكي بدلًا من الاستراتيجي.
ومنذ استقالة بوتفليقة، لم يخلُ الشارع الجزائري من السؤال الأكثر جدلا "هل ستجرى الانتخابات الرئاسية في موعدها؟"، وبين مؤيدٍ ومعارضٍ وبعد حسم الجدل، كانت السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في الجزائر كلَّف 10 لجان قانونية؛ للنظر في ملفات المترشحين للانتخابات الرئاسية، والتحقق من صحة المعلومات الواردة فيها.
وأوضح شخمان أن المؤسسة الأمنية والعسكرية حملت على عاتقها إنجاح هذه الانتخابات بكل احترافيةٍ، حيث إن التصويت سيكون بحرية وفقًا للدستور الجزائري، خصوصًا أن الشعب الجزائري يسعى إلى استكمال ما فعله خلال الأشهر القليلة الماضية، وعدم الدخول في منعطفات تُؤثر على مستقبل البلاد.
وأكد أن المطلب الأول لدى الجزائريين تمثل في توفير ضمانات الانتخابات الرئاسية، واستجابت السلطات العليا للبلاد للمطالب، وخرج المواطنون إلى الشارع داعمين للانتخابات الرئاسية في وقتها المناسب، وهذا ما حدث بالفعل حتى انتخب تبون رئيسا للبلاد.
"تسقط بس".. هتاف كتب نهاية الفصل الأخير من ثلاثة عقود لحكم البشير
ثلاثون عاما قضاها الرئيس السوداني السابق عمر البشير على رأس السلطة في السودان، لم يتوقع أكثر المتفائلين أن يسقط الرجل الأقوى في السودان، والذي كان يسيطر على مقاليد الحكم في البلد الذي يعاني اقتصاديًا بسبب العقوبات المفروضة عليه، إلى أن توجهت السيارات العسكرية نحو منزله في أبريل الماضي، لتعتقل صاحب القرار حتى ليلة الخميس التي سبقت الزج به في السجن الذي زج فيه معارضيه.
الكاتب السوداني عبدالواحد إبراهيم، يرجع نجاح الثورة في السودان على حكم البشير إلى مقاومة الشعب لنظام استمر 30 عاما بـ"الحديد والنار"، فالذي ساعد البشير في البقاء طوال هذه الفترة سيطرته على الميليشيات والأمن الشعبي والشرطة والأمن واستخدمهم في كبح جماح القوى السياسية المعارضة له.
"نعم، إنه استطاع أن يكون مستبدًا، وتسلق وجماعة الإخوان على السلطة وتطاول وفسد ونهب ثروة الشعب السوداني من بترول وذهب، ورخام وأحجار كريمة، واستولى على الاقتصاد عن طريق المحسوبية، ففي عهد البشير لم يتمكن الشاب من امتلاك كشك سجائر إلا إذا كان ينتمي للإخوان"، بحسب حديث إبراهيم لـ"الوطن".
وأكد أنه حينما ضاق الحال بالشعب السوداني، اشتعلت الثورة في 2013 وتوارى المجتمع الدولي عن التعليق على ما يحدث، لكن بتصميم السودانيين اشتعلت الثورة مرة أخرى وكانت متقطعة خلال عام 2018، وفي التاسع عشر من ديسمبر عام 2018 خرجت جموع الشعب السوداني في مدينة عطبرة، واقتحموا مقرات حزب البشير وأزالوا لافتات المؤتمر الوطني، وسقط الشهداء، ليأتي الدور على الخرطوم.
وأشار إلى أن المعارضة السودانية انتفضت، وشكَّل الشعب لجان مقاومةٍ في الأحياء بشكلٍ لم يسبق له مثيل في تاريخ السودان، ومن ثم لحق بهم تجمع المهنيين، وهي عبارة عن عدة نقابات غير مسجلة رسميًا في الدولة ولم يعترف بها النظام السابق، واستمر نضال الشعب السوداني قرابة 4 أشهر لحين الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة، وأصبح صوت الجماهير مسموعًا وكانت بداية الغيث مجلس مدني وحكومة مدنية ومحاسبة المتورطين في الفساد والتعذيب، وعلى رأسهم عمر البشير.
ويختتم الكاتب السوداني حديثه لـ"الوطن": "الوضع تغير في السودان والشعب احتفل بالذكرى الأولى لثورة 17 ديسمبر ونرى محاكمات البشير، وتحسنت علاقة السودان مع جميع الدول العربية والأفريقية والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي".
دماء الشباب تروي طريق الثورة في العراق
بعد عامٍ هادئ في العراق، اندلع في الأول من أكتوبر شرارة أولى لعدة تظاهرات في بغداد وباقي محافظات جنوب العراق؛ احتجاجًا على تردي الأوضاع الاقتصادية للبلد، وانتشار الفساد الإداري والبطالة.
"دماء غزيرة سالت ولا تزال بسبب الهيمنة الإيرانية ووجود عناصر تابعة لطهران بزي عسكري عراقي وميليشيات موالية لها هي من أراقت الدماء، والآن الصراع على الوجود والمصالح، ويقتلون من أجل المصالح لإبقاء إيران وفتح ساحة الحرب لكل مآرب ونوايا إيران، والشعب العربي تفهم هذه الثورة والعشائر والعسكريون تفهموا الثورة ورفضوا الاعتداء واستخدام القوة المفرطة على الثوار"، بهذه الكلمات بدأ الدكتور عبدالكريم الوزان، حديثه لـ"الوطن".

وقال الأكاديمي العراقي إن المظاهرات وصلت إلى حد الثورة؛ لأنها تختلف عن سابقاتها لأنها مستقلة والمشاركون فيها شباب من جميع الفئات والطبقات ولا دخل لجهة سياسية أو دولة فيها.
وأوضح أن المتظاهرين في بلاده طالبوا باستقلالية البلاد بعيدًا عن طهران التي تتدخل في الشؤون الداخلية لبغداد، وتدعم ميليشيات تثير أزمة بين جموع الشعب العراقي، حيث استخدمت العنف لقمع جولة جديدة من الاحتجاجات العراقية.