آيات القرآن تجاور العذراء في محل عاطف لتصليح الأحذية

كتب: سمر صالح

آيات القرآن تجاور العذراء في محل عاطف لتصليح الأحذية

آيات القرآن تجاور العذراء في محل عاطف لتصليح الأحذية

جدران محل صغير بهت لون طلائها من أثر الزمن، بين جنباتها أكوام من الأحذية والشنط المتهالكة، تنتظر ترميمها بأيدي عجوز ماهر احترف مهنته وأفنى بها عمره، يجلس على مقعد صغير يستقبل الزبائن غارقًا بين الأكوام منهمكًا في عمله، يكسر تفاصيل المشهد المزدحم في عين الناظر إليه لوحات مدون عليها آيات القرآن المجيد يجاورها صورة السيدة مريم العذراء، تتوسط واجهة المكان، جسدت معنى الوحدة في مشهد يزدوج فيه حب المهنة، وإيمان راسخ يشكل معنى جديد للوحدة.

بملابس مرقعة، خصصها لعمله، وأيدي متسخة من أثر"ورنيش" الأحذية، وعمامة أضحت سمة أساسية بوجهه، يجلس العجوز الستيني علي حسن، على بوابة أحد محلات تصليح الأحذية الكائن على بعد أمتار قليلة من مسجد السيدة زينب بالقاهرة، يستقبل الزبائن بضحكة و"نكتة" اعتادوها منه، لا يصعب عليه إصلاح أي عيب بالأحذية والشنط القديمة، أحب مهنته التي بدأت رحلته بها منذ خمسينيات القرن الماضي، وتنقل خلالها بين محلات عدة حتى انتهى به المطاف إلى محل الأسطى"عاطف سامي"، أو كما يلقبه بـ"عشرة العمر".

"علي" يعمل في محل "عاطف" منذ 20 عاما ويأكلان من رغيف واحد

منذ أن فتح الرجل المسيحي عاطف سامي، أبواب محله الصغير لـ"عم علي" قبل 20 عامًا، واستأمنه على ماله وزبائنه، توطدت أواصر العلاقة بينهما يومًا بعد يوم، وحسب تعبير الصنايعني علي، يذهب صاحب المكان ويترك له أمور العمل يباشرها بحرص كما لو كان مكانه، وزوار المحل يأتون إليه من المناطق المجاورة له قاصدين صنعة يده دون غيره.

علاقة الرجلان ببعضهما اتضحت جليًا على جدران المحل الصغير، في الواجهة برواز زجاجي متوسطة الحجم بداخله صورة السيدة مريم العذراء أم المسيح، وضعها صاحب المحل اعتزازًا بديانته، إلا أنه لم يغفل حق صديقه المسلم في تعظيم شعائر دينه، فحسب روايته لـ"الوطن" يطلب منه بنفسه أحيانًا كثيرة تعليق آيات القرآن بجوار صورة "العذراء" فالدين لله وحده.

علي: بجيب آية قرآنية وهو بيختار معايا المكان المناسب ليها

"وقل أعملوا فسيرى الله أعمالكم ورسوله والمؤمنون"، آية قرآنية تجاور صورة "العذراء" في محل الأسطى"عاطف"، يقابلها على جدار آخر بالمحل آية مكتوبة على لوحة كارتون "يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون" تلفت أنظار الوافدين إلى المكان.

"أحيانا بجيب آية قرآنية ولما أجي أعلقها بيختار معايا المكان المناسب ليها"، علاقة المحبة التي نبتت بداخل الصديقات منذ بداية عملهما معًا، استكملها الأسطى علي في حديثه، مؤكدًا أنه علاقة لهم بالدين، فهما يتقاسمان رغيف العيش ويأكلان من طبق واحد دون التطرق إلى أمور الدين.

بينما وقف "عم علي" أمام ماكينة الخياطة الكبيرة الشهيرة في محلات تصليح الأحذية، منخرطًا في إصلاح أحد الأحذية ووسط استعجال الزبائن له، يتذكر كيف يمر العمل في أوقات الأعياد، فترك ما في يده وسكن أصوات تروس الماكينة، قليلا، وارتفعت ضحكته قائلاً: " أنا مباخدش أجازات، وقت عيد المسيحيين هو بياخد إجازة وأنا باجي افتحله المحل واشتغل، ووقت عيدنا برضو بنزل الشغل".

أحلام العجوز الأب لخمس فتيات وولد، كلها بسيطة، أولها أن تصبح مصر مُصدرًا للأحذية الجلدية إلى أسواق دول العالم، وينتعش سوق المهنة من جديد، وآخرها أن يسترد معاشه الشهري الذي توقف قبل أشهر قليلة ليعينه، إلى جانب راتبه من المحل.


مواضيع متعلقة