تناثرت حبات العرق على جبينه، عيناه مغلقتان، شفتاه مضمومتان على لسان تعب من كثرة ما تحرك داخل الفم الكبير، صمت يخيم على المشهد، لكن صاحب العيون المغلقة بدا وكأنه يخوض صراعاً داخلياً مع المرض الخبيث الذى استحكم منه، ذلك المرض الذى اختار جسده ليختبر فيه قدراته، لم يستسلم «الفهد الأسمر» الذى كان يقترب من السبعين عاماً، تحدى غريمه وهو فى غيبوبته، لن يتركه ينال منه بسهولة لأنه محارب ومقاتل بالفطرة، كان هدفه من المقاومة أن يؤكد لخصمه أنه قادر على الصمود للنهاية، وحتى لو انتصر عليه المرض فى لحظة النهاية، فلن يخسر هو شيئاً، على الأقل لأن هزيمته لا تعنى نهايته، على العكس تماماً، سيستمر فى الحياة من خلال أفضل شىء يتمنى أن يتركه أى إنسان على وجه الأرض، الذكرى الحسنة، والأخلاق الكريمة.
أيام عصيبة عاشها الفهد الأسمر طه بصرى، أحد «فرسان» القلعة البيضاء الشهيرة بـ«نادى الزمالك»، فالشاب قوى البنية منذ أن وطئت قدماه أرض ملعب «حلمى زامورا» بمقر النادى فى منطقة ميت عقبة، وهو يرى المستقبل أمامه، فى وقت وزمن كانت فيهما لعبة كرة القدم «عشقاً»، و«حباً»، وليست «مهنة» و«أموالاً»، قدم نفسه للجميع وأشاد به كل محبى الكرة المصرية، انضم للمنتخب الوطنى، وحقق إنجازات كبيرة، كان رصيده منها أربعة أهداف فى بطولتى الأمم الأفريقية عامى 1974 و1976، وذاع صيته، ولكنه لم يهتم بكل هذا، كان يعلم أن لكل شىء فى الحياة مقياساً واحداً فقط، وهو الاحترام والأخلاق، منافسوه مدحوه، وأكدوا أن أخلاق هذا الفتى الأسمر لن تتكرر، احترامه للجميع وموهبته الفذة جعلته أحد نجوم الصف الأول، ولأنه اعتاد على الصراع، صارع نفسه، وانتصر على آفات النجومية والشهرة وظل على أخلاقه العالية حتى اعتزل.
ولأنه معتاد على البطولات والإنجازات، كان لصاحب الأخلاق الرفيعة بصمة فى تغيير الكرة المصرية، مع فريق صاعد حديثاً للأضواء، لقد قبل التحدى وتولى مسئولية نادى «إنبى»، وقدم معه مستويات مذهلة ساهمت فى تغيير خريطة الكرة المصرية، وأنذرت بمولد فرق جديدة، ورغم أنه زملكاوى القلب والهوى، فإنه لم يمنع نفسه من مواساة لاعبى الأهلى بعدما أضاع منهم لقب الدورى فى اللحظات الأخيرة، ولم يحتفل على الرغم من أنه أهدى لقب الدورى لبيته، ليترك الرجل الزملكاوى ذكرى طيبة لخصومه «الأهلاوية» ويتأكد وهو فى خضم صراعه مع المرض أنه لن يخسر، فالكل سيتذكره بالخير.
لا شك أنه تذكّر كل هذا فى لحظة ما فى ليل الثلاثاء الأول من أبريل، وعلم أن ذكراه ستظل، وأخلاقه ستبقى، فاستسلم للمرض، وأسلم روحه لربه، تاركاً لتلاميذه وعشاقه سمعة طيبة ستبقى وستتوارثها الأجيال.