إحنا التلامذة أفلام الصغار: كثير من الأزمات قليل من التفاهم

إحنا التلامذة أفلام الصغار: كثير من الأزمات قليل من التفاهم

إحنا التلامذة أفلام الصغار: كثير من الأزمات قليل من التفاهم

اهتمت السينما على مدار تاريخها بالقضايا الاجتماعية، ومن أهمها عالم المراهقة، وما يحيط به من أسرار وتفاصيل خاصة، وكيف لتلك المرحة العمرية أن تجد مَن يعبّر عنها، فتنوعت الأفلام على مدار السنوات، تعبّر عن كل جيل على حدة، مع التغيرات التى شهدها المجتمع. وتاريخ السينما المصرية ملىء بالأعمال السينمائية المميزة، فمنذ خمسينات القرن الماضى تطرح قضية المراهقين ومشكلاتهم، فى عام 1959 تم عرض فيلم «إحنا التلامذة» للمخرج عاطف سالم، وأبرز الفيلم مشكلات المراهقين فى تلك الفترة من حيث سرد حياة ثلاثة تلاميذ ولكل منهم مشكلة خاصة، فأحدهم يحب جارته، وأبوها يرفض زواجه منها، ويطرده من المنزل، والآخر يأتى عمه إليه من إحدى محافظات الصعيد بالثأر ممن قتلوا أباه، بينما الأخير يعانى من إهمال أبويه بعد انفصالهما، ويتضح من قصة الفيلم كيف وجد هؤلاء المراهقون أنفسهم داخل دائرة من المشكلات لم يكن لهم يد بها منذ البداية.

من "إحنا التلامذة" إلى "أسرار البنات".. صراع أجيال وتمرّد ومعارك للهروب من الأفكار الأبوية وسيطرة الأسرة

 

ومن أبرز الروايات التى ناقشت قضايا المراهقين رواية الكاتب الكبير إحسان عبدالقدوس «أنا حرة»، التى تم تحويلها إلى فيلم سينمائى عام 1959 بنفس الاسم، وكتب السيناريو للفيلم نجيب محفوظ. ويسرد العمل حكاية مراهقة تدعى «أمينة»، تعيش مع عمتها وزوجها وتسعى لإكمال دراستها حتى تحصل على حريتها، وفى ظل رحلتها تكتشف «أمينة» العديد من الأمور حول العالم الذى تعيشه، تميزت الرواية والفيلم بالتعبير عن أحلام الفتيات فى ذلك الوقت وإثبات ذاتهن عن طريق التعليم والعمل، لكن كثيراً ما يقابلن عقبات، والرابحة مَن تتخطاها. ومع سبعينات القرن الماضى وبداية الانفتاح ناقش فيلم «إمبراطورية ميم» للفنانة الكبيرة فاتن حمامة عام 1972 قضية المراهقين من منظور التحرر، عن طريق 6 أشقاء كل منهم يعيش فى عالمه الخاص بأحلامه وأمنياته ومشكلاته، ما تسبب فى حالة من التوتر فى علاقتهم بوالدتهم، ومع مرحلة الثمانينات جاء فيلم «الاحتياط واجب» للنجم أحمد زكى ليناقش قضايا المراهقين من منظور آخر، وهم المراهقون الذين يعيشون فى إحدى الإصلاحيات وكيف ينظر لهم المجتمع. وناقش الفيلم قضية المراهقين نزلاء تلك الإصلاحية، وكيف أنهم فى كثير من الأحيان يتمنون أن يصبحوا شخصيات سوية، ويرون كيف أن المجتمع لا يتقبلهم فيقرروا التمرد، حتى يقابلوا المشرف الذى جسَّد شخصيته أحمد زكى ويبدأ فى معاملتهم بشكل إنسانى ويدفعهم للتغيير. وفى فترة التسعينات والألفية الجديدة ومع تغير المجتمع والأفكار أصبح للجيل الجديد من المراهقين أفكارهم ومشكلاتهم المختلفة، فتم عرض فيلم «أسرار البنات» عام 2001 واتسم بجرأة شديدة فى ذلك الوقت لعرضه قضية مراهقَين أقاما علاقة وكانت نتيجتها إنجاب طفل، واستطاع الفيلم أن يقدم القضية من عدة جوانب: كيف تفاعلت المراهقة مع تلك المشكلة وكيف كان حال الأسرة.

ومن أبرز الأفلام التى قُدمت بالسنوات الأخيرة لتعبر عن جيل المراهقين وتعبر عن أفكارهم فيلم «الجيل الرابع 4G» الذى صدر عام 2014 للمؤلف عمرو سمير عاطف والمخرج أحمد جلال، وجسَّد الفيلم جيل الألفية الجديدة من حيث الأفكار والطموحات فى إطار كوميدى أكشن.

وعن الأفلام السينمائية التى ناقشت وعرضت قضايا المراهقين قال الناقد الفنى «أندرو محسن»، لـ«الوطن»، إن هناك عدداً من الأفلام السينمائية تناولت حياة المراهقين، سواء بشكل خاص أو من خلال أحداث الفيلم، وأضاف أنه يرى أن فيلم «إمبراطورية ميم» استطاع أن يقدم شرائح مختلفة بعرض قضايا المراهقين والشباب أيضاً، وكانت تيمته الأساسية الصراع بين الأجيال المختلفة.

"إمبراطورية ميم" جسّد أحلام شباب السبعينات فى الحرية.. و"الاحتياط واجب" عرض مشكلات نزلاء الإصلاحية

كما أوضح «أندرو» أن هناك العديد من التجارب السينمائية التى قدمت قضايا المراهقين بأشكال متعددة مثل تعاطى المخدرات أو صراعهم مع آبائهم، وأوضح «أندرو» أنه يرى فقط أن تلك الأفلام لم تستطِع تحليل تلك القضايا بشكل حقيقى، فدوماً كانت تقدم قضايا الشباب من خلال الأحداث. وعن أبرز التجارب السينمائية التى قدمت حياة المراهقين بجميع تفاصيلها وعرض قضاياهم ومشكلاتهم، قال «أندرو» إنه يرى أفضل التجارب فيلم «أوقات فراغ» الذى عُرض فى 2006 للمخرج محمد مصطفى، وكان بطولة مجموعة من الوجوه الجديدة حينها.

ويرى «أندرو» أن الفيلم تميز بأنه حقيقى لدرجة كبيرة فهو عن مجموعة شباب يعبرون عن أنفسهم ولم يكن الفيلم يحمل صراعاً بين الأجيال وبعضها بقدر ما هو تعبير عن ذلك الجيل فقط.

ويرى «أندرو» أن السينما المصرية تحتاج تلك النوعية من الأفلام، وخصوصاً أن أغلب من يرتادون السينما وجمهورها هم بالفعل من المراهقين والشباب صغير السن، ومن الأشياء المميزة أن يروا أفلاماً تشبههم وتناقش قضاياهم وأحلامهم. كما يتم فى الفترة المقبلة عرض أفلام سينمائية تستعرض حياة المراهقين، فسيتم خلال موسم إجازة نصف العام القادم طرح فيلم «شاومينج» الذى يناقش قضايا الغش فى امتحانات الثانوية العامة ومساهمة مواقع التواصل الاجتماعى فى ذلك، ومن المنتظر طرح أيضاً فيلم «بنات ثانوى»، الذى تدور أحداثه حول خمس فتيات مراهقات وما يحدث لهن أثناء رحلتهن فى البحث عن ذاتهن فى مرحلة المراهقة، لتظل دوماً موضوعات المراهقين والشباب أرضية خصبة لخيال مؤلفى ومبدعى السينما لاستعراض قضاياهم بشكل كوميدى محبب لجميع الفئات.

على الشاشة الصغيرة: مخدرات وعلاقات غير مشروعة وإجهاض

 

تعد مشكلات «المراهقين» من أبرز القضايا التى يناقشها صناع الدراما على الشاشة الصغيرة، وتحمل مزيجاً بين الكوميديا والتراجيديا والأكشن، فضلاً عن تقديم مختلف القضايا التى تواجه الصغار، ما بين «الإدمان، والعلاقات الأسرية المفككة، والعلاقات غير المشروعة، والحب، والزواج العرفى، والإجهاض، وأصدقاء السوء» وغيرها من الأمور. وعلى مدار سنوات، حاولت الدراما التليفزيونية تقديم ما يناقش تلك الفئة بقضاياها وطرح مشكلاتها عبر الشاشة الصغيرة، ومن أبرز تلك الأعمال مسلسل «أنا وانت وبابا فى المشمش» الذى عُرض فى عام 1989، وسلّط الضوء على قضية الحب فى حياة فتاة مراهقة تدعى «ماجدة»، جسَّدت شخصيتها الفنانة لمياء الجداوى، وكانت الفتاة أحبت صديق شقيقها، رغم صغر سنها، حتى تدخلت المعلمة لدعمها واحتوائها وتقديم النصح والإرشاد لها.

ومع بدايات الألفية الثالثة، وتغير الأجيال والأفكار بالمجتمع المصرى، تغيّرت معها أفكار المراهقين، ففى عام 2002 عرض مسلسل «الرقص على سلالم متحركة»، الذى قدم مشكلات وقضايا الجيل الجديد، من خلال سرد لحياة أربع صديقات من طبقات اجتماعية مختلفة، من بينهن فتاة تدعى «جميلة» تشكو من غياب الأب بعد انفصال والديها، ومعاناة أخرى تدعى «دينا» من والدها البخيل، ورصد لحالة الصديقة الثالثة التى تصر والدتها على تزويجها من شخص ثرى لا ترغب فيه، وسرد لحياة الصديقة الرابعة التى جاءت على نقيضهن جميعاً، حيث تقع فى الأزمات بسبب تدليل والدها لها.

كما ناقش مسلسل «نور الصباح» عام 2006، للفنانة ليلى علوى، كيفية التعامل مع المراهقات فى بداية الدخول فى تلك المرحلة العمرية، من خلال تعاملها مع ابنتها الصغيرة التى جسدت شخصيتها الفنانة ملك قورة، وفى عام 2014، تم عرض مسلسل «شمس» الذى تناول عدداً من حكايات المراهقين، والعلاقات فيما بينهم وتعرضهم للحب الفاشل وترديد الأكاذيب وعدد من المشكلات النفسية التى واجهتهم بتلك الفترة وكيفية حلها.

وكان مسلسل «تحت السيطرة» للفنانة نيللى كريم، الذى عرض فى 2015، تجربة مميزة، لسرده لعالم المخدرات ووقوع المراهقين فى براثن الإدمان، وما يتبعه بعد ذلك من مشكلات أخرى يتعرضون لها وتؤثر على حياتهم، وكان من أبرز المشكلات التى سردها المسلسل حكاية المراهقة «هانيا» التى دخلت دوامة الإدمان، وهروبها من منزل الأسرة، وزواجها عرفياً وتعرضها للإجهاض، والتى اكتسبت تعاطفاً كبيراً وإدراكاً من الجمهور لحجم تلك القضية.

ورأت الناقدة الفنية ماجدة خيرالله أن تناول الأعمال الدرامية لمشكلات المراهقين، تركز على الجوانب السلبية فقط، وعالم المخدرات. وأضافت «خيرالله» أنه يجب على الدراما تقديم طموحات وأهداف المراهقين وسيكون بها نوع من الثراء الدرامى أيضاً بعيداً عن عالم المخدرات والجريمة فقط: «لا يوجد مانع من تقديم سلبيات هذه المرحلة، ولكن فى الوقت نفسه يجب تسليط الضوء على مميزاتها».

اعتبرها حرباً ثقافية: شباب بيشوف أفلام عنف وبيسمع مهرجانات.. هيكون قدوته مين؟

آثار سلبية تركتها الأعمال الفنية التى تحتوى على عنف وبلطجة، وكذلك أغانى المهرجانات، لا سيما لدى فئة المراهقين، إذ يرى البعض أنها الفئة الأبرز التى يلحق بها الضرر، ومن الممكن أن يرتكب هؤلاء أعمالاً إجرامية فى محاولة منهم لمحاكاة الأعمال المُقدمة فى السينما والدراما، فضلاً عن الهبوط بمستوى الذوق العام.

وتقول الناقدة خيرية البشلاوى، إن الدراما التليفزيونية فى السنوات الأخيرة ارتكبت ممارسات خاطئة، أسهمت فى تفكيك الشخصية المصرية وكذلك الضمير الوطنى: «هناك حرب ثقافية شرسة تُحاك ضد الدولة المصرية، لتفتيت منظومة القيم لدى الشباب»، مؤكدة أنه من الصعب جداً منع أغانى المهرجانات وأفلام العنف أو أى محتوى سلبى، لأنه مُتاح عبر منافذ عدة، لكن من الممكن حماية النشء الجديد من خلال التربية والتعليم والوعى، ووصفت «البشلاوى» صُنّاع هذه النوعية من الأفلام والمهرجانات بمُرتكبى أعمال إجرامية، مُشيدة بقرار نقابة الموسيقيين، الذى صُدر مؤخراً، بشأن وقف «حمو بيكا» عن الغناء: «موقف يُحترم، وإن كنت فى موضع المسئولية، لن أتردد لحظة من منع هؤلاء، حتى وإن وصفوا ذلك بأنه ضد الحرية والديمقراطية»، لافتة إلى دور الأسرة فى الاهتمام بوعى وذوق أبنائهم.

وأكدت أن الفن له دور بالغ الأهمية فى توعية الجمهور، لا سيما فئة الشباب، مُشيرة إلى فيلم «الممر» الذى عُرض على الشاشات مؤخراً: «هذا العمل كان له أثر إيجابى على المُشاهدين، ويجب إنتاج مثل هذه النوعية من الأعمال التوعوية ليس على المستوى العسكرى فحسب، وإنما على المستويات الأخرى، وذلك بجانب الاستعانة بشخصيات أصحاب الفكر الجيد».

وقالت الدكتورة ليلى عبدالمجيد، عميد كلية الإعلام الأسبق، إن وسائل الإعلام التقليدية لم تضع فى اعتبارها المُراهقين كفئة مُستهدفة، من خلال المحتوى الذى تبحث عنه هذه الفئة، إذ إن الأمر يتطلب دراسة الجمهور، على المستويات النفسية والاجتماعية واللغوية، وذلك بشأن معرفة آليات استخدامهم للإعلام، وكذلك اهتماماتهم واحتياجاتهم.

ويرى الدكتور صفوت العالم، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، أن الأزمة الحقيقية تكمن فى عدم التزام قطاع كبير من الشباب بالمدارس، إذ صار لديهم الكثير من الوقت للبرامج، بداية من الصباح الباكر وحتى العصر تقريباً، إذ يتعرضون لمُشاهدة الكثير من الأعمال الفنية التى تحتوى على عنف، بشكل يتناسب مع طاقاتهم، لا سيما فى ظل غياب الرقابة من قبل الأسرة.

 


مواضيع متعلقة