مأمون فندي: بداية تحديث الخطاب الدينى تبدأ من المجتمع

كتب: انتصار الغيطانى

مأمون فندي: بداية تحديث الخطاب الدينى تبدأ من المجتمع

مأمون فندي: بداية تحديث الخطاب الدينى تبدأ من المجتمع

أكد الدكتور مأمون فندي أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج تاون، ومدير برنامج الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، أنّ مؤتمر الأزهر الأخير وما حدث بين شيخ الأزهر ورئيس جامعة القاهرة بشأن الحداثة والتراث، وأقحم من لا يعرفون أنفسهم في جدل متخصص لا يعرفون تاريخه أو أبعاده، وتلك كارثة عندما يتناول العوام عن جهل موضوعات شديدة التعقيد.

وأضاف فندي، من خلال مقاله في جريدة الشرق الأوسط اللندنية: "الحديث أعاد إلينا جدلية الحداثة والتراث في المجتمع السعودي في ثمانينيات القرن الماضي، في ذلك الحين كان الحديث عن الحداثة والتراث مادة أشرطة الكاسيت لعوض القرني وكتب صغيرة غير محكمة مثل (الحداثة في ميزان الإسلام)، وغير ذلك من العناوين التي تبشر بجهل لا بعلم، وأن ما يجري في مصر الآن لا يختلف كثيرا عمّا جرى بالسعودية منذ نحو 40 عاما".

وتابع فندي، أنّ الحداثة تمثل تلك الحالة الثقافية الغربية الناتجة عن الثورة الصناعية وما تبعها من تغير في المفاهيم العلمية، والحداثة تختلف جذريا عن التحديث، فكلاهما مفهوم بعيد كل البعد عن الآخر، فالتحديث مفهوم مرتبط بدراسات التنمية ويخصّ بناء الدولة وتطور المجتمعات البشرية.

وزاد: "علاقتنا بالحداثة هو أن ندرك أنّ الحداثة نمط إنتاج فكري وثقافي، جاءت نتيجة لتحولات في العالم المادي في عصر الصناعة، أما عالم ما بعد الصناعة فجاءت تجلياته فيما عرف اصطلاحا بما بعد الحداثةـ وهذه مرحلة أخرى في حركة الإنتاج والعلوم المصاحبة، التي أنتجت تجليات ثقافية في معارف وعلوم مختلفة ومدارس تفكير مختلفة في رؤية الحقيقة ومنهجية التحليل والتفسير والتأويل من هيرمونيطيقا أُمبرتو إكو في إيطاليا، إلى تفكيك داريدا وفوكو في فرنسا، وهذه المناهج أثرت على تناولنا العلوم الإنسانية من الأنثروبولوجيا إلى علم الاجتماع وعلوم السياسة وأيضاً اللاهوت".

واضاف فندي، أنّ مجتمعاتنا العربية ما زالت إنتاجيا تقف عند ما قبل الحداثة، وعلاقة هذا التأصيل بحوار الإمام الأكبر مع رئيس جامعة القاهرة الذي أثار جدلا في مصر، أولا كان حديث الدكتور الخشت شديد الاحترام لمؤسسة الأزهر، ولكن ما كان ينقصه هو الصرامة العلمية، وتلك كانت نقطة الإمام الذي أكد أنّ الحديث العلمي يجب ألا يكون أسير تداعيات الأفكار اللحظية.

وتابع: "أتفق مع فضيلته في هذه النقطة، أولا مسألة الحديث عن التراث فيما يخص سؤال القطيعة أو الاستمرارية والتراكم، ليست حديثا عربيا متفردا، فقد تم تناولها بصرامة أكثر في حضارات وثقافات أخرى بمنهجيات مختلفة، على سبيل المثال، كان هناك حوار في بريطانيا في بدايات القرن العشرين بين فيرجينا وولف وتي.إس. إليوت حول مسألة القطيعة مع التراث، وفيه قالت وولف لإليوت إنّه يرى أبعد من شكسبير، فجاء رد إليوت (أنني أرى أبعد منه لأنني أقف على كتفيه). وذلك ما سماه إسحاق نيوتن في النصف الثاني من القرن السابع عشر (الوقوف على أكتاف العمالقة)".

وأوضح فندي، أنّ التراث هو ذلك الذي نعرفه، أما مسألة تأويله، فتلك تختلف باختلاف المنهجية، وقد كانت معركة الحداثة في العالم العربي، السعودية تحديدا، في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي. وكان الحديث كله عن الحداثة في الشعر وعلاقته بالدِين.، وحرب مع مجموعة من الشعراء العرب، وأنّ حديث الدكتور الخشت في مؤتمر الأزهر حديث جيد، ولكن تنقصه الصرامة العلمية، وينقصه تأصيل لمنهجية القطيعة والاستمرار في العلاقة بالتراث، أي تراث، وكيف تناولته الثقافات الأخرى. وظني أنّ الإمام عندما تحدث عن مثَل ترميم البيت أو بناء بيت جديد، كان يشير إلى تلك النقطة المعقدة في تاريخ حوار القطيعة والاستمرار.

وأكد: "أتمنى أن نناقش قضايانا بمنهجية من داخل ثقافتنا، ولا نجنح إلى تلقف كل ما هو جديد في المنهجية الغربية، فكان واضحا من الحوار أنّ الإلمام بالمذاهب الفكرية عند الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة وغيرها حديث منقوص، ليس عيبا أن يترك الحديث للمختصين في علوم الدين؛ وليس في هذا كهنوت".

واستطرد: "أخيرا، فالخطاب الديني الذي نريد تجديده محدد بثقافتنا ومفاتيحنا المعرفية، فالتجديد في عصور الانحطاط غالبا ما يأتي بتجديد يعكس الحالة الثقافية للمجتمع، وما نحن فيه الآن من لحظة اضمحلال معرفي سيؤدي إلى تجديد يشبهنا، فالخطاب المتخلف في فهم الدين في بلد كمصر لا يخصّ المسلمين وحدهم، فخطاب المسيحيين في مصر أيضاً لا يختلف عن الخطاب الإسلامي، فكلاهما تجليات لمجتمع أقرب إلى التخلف منه إلى روح العصر، إن بداية تحديث الخطاب تبدأ من تحديث المجتمع".

وأتمّ: "تحديث التخلف ينتج قيما جديدة من خلالها نستطيع النظر إلى التراث بعيونٍ، خالية من التلوث، وتجديد الخطاب الديني، وأي خطاب آخر، يبدأ بتجديد بنية المجتمع؛ إذ لا علاقة لمجتمعات لا تحترم إشارات المرور بتجديد أي شيء وآخرها الخطاب الديني".


مواضيع متعلقة