شوف جمال الطبيعة بقلبك.. الوطن في رحلة إلى الصحراء مع أطفال مكفوفين

كتب: نهال سليمان

شوف جمال الطبيعة بقلبك.. الوطن في رحلة إلى الصحراء مع أطفال مكفوفين

شوف جمال الطبيعة بقلبك.. الوطن في رحلة إلى الصحراء مع أطفال مكفوفين

يتلمسون الصخر، ويتحسسون أبعاده، يقتربون بأنفهم منه للتعرف على رائحته، وأقدامهم تداعب الرمال. طرق استمتاع الأطفال المكفوفين بالتكوينات الصخرية التي يعود عمرها لآلاف السنوات، والارتفاعات الجبلية، خلال المرة الأولى التي يشاركون في رحلة سفاري، ليصبح السفر والاستمتاع بجمال الطبيعة "مش للي يقدر يشوفها بعينيه وبس"، وإنما المتعة الحقيقية "للي يقدر يشوف أي جمال بقلبه".

عايشت "الوطن"، أمس، تجربة "هايكنج" التي نظمتها ريهام أبو بكر، الفتاة العشرينية، مالكة إحدى شركات السياحة الجغرافية، وصاحبة مبادرة "اتبرع ولو برحلة"، وقالت في حديثها: "قررنا رحلتنا تكون لعدد من الأطفال المكفوفين، هناخدهم معانا عشان يستكشفوا بنفسهم جمال الصحرا ويشوفوا عالم جديد تماما عليهم"، لتنطلق الرحلة بالتعاون مع جمعية دار نور البصيرة لرعاية المكفوفين.

المتطوعون من الصعيد ووجه بحري لمرافقة الأطفال

مع دقات الثامنة صباحًا، كان رواد الدار قد بدأوا في التوافد، كل أم ترافق ابنها، وقد أعدت له احتياجاته رغم أن ريهام كانت قد أعلنت أن مباردتها ستتكفل بكل مستلزمات الرحلة، من مأكل ومشرب وانتقالات، في نفس الوقت كان المتطوعين قد بدأوا في التجمع، منهم من جاء من بورسعيد ومنهم من الفيوم والإسكندرية، وتقف بينهم ريهام كي تتأكد من حضور الجميع، لتفتح صفحة جديدة تطبق بها مبدأها "السفر والاستمتاع بجمال الطبيعة مش للي يقدر يشوفها بعينيه وبس، المتعة الحقيقية للى يقدر يشوف أي جمال بقلبه".

 

بين الرهبة والفرح، كان المشهد على وجه هند علي، والدة الطفل أحمد السيد، ذو الخمس سنوات، أصغر أطفال الرحلة. وسبب الرهبة والفرح أنها أول مرة تترك صغيرها يغادرها للذهاب إلى مكان آخر وحيدا، "حسيت إني خايفة عليه بس هما طمنوني إن هيبقى فيه متطوع مع كل واحد ووافقت يروح علشان يعتمد على نفسه ومش دايما عليا"، بحسب حديثها لـ"الوطن". 

أمام حافلة الرحلة، أعلنت المُنظِّمة أن شروق شافعي ستكون مسؤوليتها أن ترافق أصغر أطفال الرحلة، وعندما حان وقت الصعود إلى الحافلة تسلمت شروق الصغير بعد أن اطمأنت لها والدته: "سلمت عليا وقالت لي خلي بالك منه"، لتبدأ الرحلة وتشرع شروق في التودد له، يتحدثا سويا عن وجباتهم المفضلة وعن مكان الزيارة، ومع مرور الوقت أصبحت علاقتهم أقوى، وتقول شروق: "أول مرة أتعامل مع أطفال مش قرايبي وكان تحدي لينا سوا إننا كمان هنكتشف مكان جديد علينا مع بعض".

قبل التقاء كل متطوع بصديق رحلته، حرصت ريهام على التأكيد على بعض التعليمات من أجل السلامة، "كل واحد منكم هيبقى معاه طفل ولازم في آخر اليوم يكون نفس الطفل وياريت محدش يبدل غير لما يقولي علشان أسجل عندي في الورق"، وبين كل حين يعلو صوتها بتعليماتها للمرحلة الجديدة من اليوم، فعند صعود الجبل، رددت على الأسماع ضرورة أن يسبق الطفل المتطوع في الصعود، ووتارة أخرى تسمع صوتها يشرح الفرق بين وصف الخطوة العادية وخطوة صعود تلة أو صخرة، ومرة أخرى تنهمك في شرح معلومة جغرافية عن أحد أركان المحمية.

في محمية وادي دجلة، بين تناول الإفطار ورحلة السفاري بواسطة سيارات  الدفع الرباعي، وأخرى لصعود أعلى قمة جبل بها، سيرًا على الأقدام، ثم تناول الغداء، ترافق الصديقان الجدد، تمسك يده، وتصف له المكان بعينيها وبكلمات أكثر بساطة: "استفدت الصبر وإني دايما أخلي بالي وأنتبه للحاجات الصغيرة".

الساعة الثالثة فجرا، كان يحيى حجازي يعد عدته قادما من الإسكندرية، مستقلا أتوبيس حتى وصل إلى القاهرة الساعة السادسة ونصف، بشغف انتظر موعد التجمع، كي يخوض تجربة ليست بالجديدة عليه في حد ذاتها، فكثيرًا ما مارس أنشطة الكشافة في مصر وخارجها، "التواجد مع أطفال احتياجات خاصة شيء مختلف عليا، وهنا هستفاد إني اتعلم اتعامل معاهم واتبع التعليمات وهفيدهم بخبرتي من رحلاتي اللي فاتت".

منذ اللحظة الأولى، بدأ يحيى في جذب انتباه صديقه الطفل محمد جمعة، تارة يحكي له عن نفسه أو يسمع منه حكايات عنه، وتارة يدس له معلومات عن جبال العالم والجغرافيا بطريقة سردية جذابة، ويقول لـ"الوطن"، "النهاردة أنا اللي كسبت واستفدت أكتر وخدت خبرات مهولة وعرفت يعني إيه صبر.. صديقي طول الرحلة كان مبتسم ومتعايش مع كل وضع وبيحب يتعلم ويعرف كل حاجة وعامة الأطفال بتعرف اللي قدامه صادق ولا لأ وعلى الأساس دة بيبدأوا يثقوا بيه".

 

أحد الأطفال: أول مرة أعرف المحميات الطبيعية.. والهوا منعش فوق الجبل العالي

صعود الجبل لم يكن سهلا على محمد جمعة ذو الـ13 عام، الذي لم يكن يعرف مصطلح المحمية من قبل، لكن الجو العام للرحلة جعله يستمع باليوم ويصر على صعود القمة إلى آخرها، تارة يستريح ليتابع المسير، لينهال عليه تشجيع مرافقه يحيى، إلى أن وصلا معا للقمة وسط بهجة وفرحة علت وجهه قائلا: "الهوا منعش أوي فوق.. الرحلة ممتعة جدا وعرفت معنى محمية وزروتها كمان ومستر يحيى كان بيخاف عليا ويساعدني ويقولي ارفع رجلك".

في رحلة السفاري، استقل الأطفال سيارات، وبدأوا تجربة جديدة عليهم، تملأها هبة عرفي، إثارة وتشويقًا، من خلال قيادة سيارتها، قبل كل مطلع، وعند نزوله تصيح بعد أن تنبههم، فتتعالى ضحكاتهم لتختلط بضحكاتها في جو من المرح، "لما عرفت عن الإيفنت وإنهم عايزين ناس عندهم عربيات تنفع سفاري جيت على طول.. أنا بحب السفاري وعجبتني فكرة إني أكون مع الأطفال".

 

أحد المتطوعين: كنت بساعد سمر في الرحلة وقدرت في الآخر أكسب ثقتها

في رحلة السفاري، كان المتطوعون يودعون رفقائهم من الأطفال للذهاب باستخدام السيارة، وهو ما جعل ملامح من القلق تبدو على وجه لمياء فايق، التي جاءت من الفيوم على سبيل التطوع، عند وداع رفيقتها سمر، بعد أن قضيا معا مدة تقترب من 4 ساعات، استطاعت أن تكتسب ثقتها. وتقول، لـ"الوطن"، "سمر في أولى ابتدائي وفي الأول كانت مش عايزة تعمل حاجة وحتى الأكل قالت هاكل في البيت مع أخواتي ومع الوقت في الطريق قدرت أخليها تقرب مني".

وبمجرد الوصول للمحمية بدأت أواصل الارتباط تزداد بين الطفلة سمر ومرافقتها لمياء، حتى أن سمر أصبحت تطمئن بوجودها "بقت واثقة فيا ولما أقولها تمشي بطريقة معينة تعمل كدة".

أكبر المتطوعين في الرحلة: خدمة الناس بتحسسني إني عصفورة في السما

"خدمة الناس تخليني أحس كأني عصفورة طايرة في السما"، بهذه الكلمات وصفت نجوى إبراهيم، السيدة الستينية، مشاعرها نحو مشاركتها في أول رحلة "هاينكينج" للأطفال المكفوفين، فضلا عن كونها حلقة الوصل بين مبادرة "اتبرع برحلة" ودار مركز نور البصيرة، "لما ولادي كبروا وطلعت على المعاش في شغلي كمدرسة فرنساوي قررت اشغل حياتي بحاجات حلوة زي دي".

وكانت مهمة نجوى طوال الرحلة التواجد بقرب حقائب الطعام والشراب أو رعاية أحد الأطفال في حال احتاج المتطوع الذي يرافقه لعمل شيء آخر، "أنا كنت بطلع رحلات مع ريهام تبع شركتها كتير ولما روحت اتطوع في نور البصيرة كلمتهم وبدأنا ننظم الرحلة".

الفرحة ترتسم على وجه والدة أصغر طفل بالرحلة

مع انتهاء الرحلة تبدلت مشاعر رهبة الأم إلى الفرح، بابتسامة ملأت وجهها وهي تنتظر صغيرها، وعند نزول أحمد ترافقه شروق من الأتوبيس، تلقفته الأم في حضنها، وما زاد فرحتها، ما لمسته على وجه نجلها، الذي قال: "ماروحتش رحلات غير دي وكانت رحلة حلوة والصحراء جميلة وعايزة أروحها تاني وأطلع الجبل تاني.. هو كان عالي بس أنا ماتعبتش".


مواضيع متعلقة