الموت يأتي مرتين

كتب: صبرى محمد حسن

الموت يأتي مرتين

الموت يأتي مرتين

جلس عبد العليم علي (المصطبة) أمام داره، بالقميص الأبيض يتأمل كلابه الرومية التي تكاد تقطع الطريق الوحيد فيالقرية والذي يدور حولها وبها، وارتتكن على إحدي يديه، وانطلقت عيونه في المدي تفتش عن عدو مجهول سيأتي لينقض عليه، أو يضع رصاصة في قلبه.. فلطالما أكد لنفسه ولعابد الحسيني أن لك سيكون مصيره في النهاية، فلقد كان لص مواشي محترف في كافة أرجاء المديرية، ولطالما سلَم كثير من المجرمين للسلطة لقاء غلق ملفاته... وكان يعلم أن الذي يحول دون قتله داخل(العزبة)، وجود عابد الحسيني الخفير بها، فقد كان مهابا، مهيبا، لا يجرؤ قاتل أو لص في أرجاء مديرية ميت غمر علي فعل شئ داخل زمام (العزبة)، أو بالقرى المجاورة لها دون إعلام الحسيني وأخذ إذنه، أما خارج العزبة فلربما اصطاده موتور أو مأجور في الظلام...فلا تظلله حماية الحسيني...ولذا فقد طال مكثه في العزبة لمدة شهرين ونيف دون خروج، فلم يعد يريد الموت، وزهد في السرقة فلقد أصبح من أعيان العزبة، بيت مترامي وفناء متسع، وبهائم وأولاد، وووو...ولكن حميد الغربي أقسم أن يقتله، وهو خير من يعرفه، فما دام قد قال فسيفعل، وعلي الرغم من أن حميد يسير متقافزا كغراب بسبب عاهة في قدمه اليمنى، وضعيف البنية كعودٍ من الذرة، إلا أنه رجل بلا قلب، قاتل مأجور ما فشل قط في مهمته، واليوم هو الذي حدد لنفسه المهمة وبلا أجر، فلقد نذر أن يقتل عبد العليم نظير غدره بأحمد أبو سبع لص المواشي... وجاء أحد المزارعين يتخبط في خطوه ويغرق في عرقه صارخا: أبي عبد العليم..أبي عبد العليم...حميد الغربي عند الجامع.. وأسقط في يده وهم بالفرار...فدخل الدار..ثم خرج منها، ودخلها ثانية...والموت يلوح أقرب من باب الدار.. وأخذ يقلب في كل الأركان ويبحث عن بندقيته، وتصبب عرقاً ، وعبثا كان بحثه وتفتيشه، وكلما سأله أبناؤه عما يبحث سبهم سبا فاحشا-رغم كونهم رجال في مطلع الشباب-ثم نادي ابنه الأكبر: اذهب فنادي عمك عابد الحسيني، وكأنما فيه الخلاص، والنجاة من الموت. وهتف بالثاني: ابحث عن البندقية لا أم لك.. وتوقف فاضل مبهوتا...ولم يتزحزح قيد أنملة.. مالك لعنك الله فالقضاء آت لا ريب... اذهب. مالك يا ابن المرأة لا تتحرك..أرزقني الله بست بنات..اذهب ثكلتك أمك. وتنحنح فاضل يا أبت البندقية علي كتفك.. ألا لعنة الله عليا وعلي خوفي، ولكن أليس بنو أدم جميعا هكذا أمام الموت؟...نذهل جميعا وننسى كل شئ، نغيب عن أنفسنا وتعرض حياتنا علينا في لحظة، وهل يرد الموت ببندقية، لو كان كذلك ما مات أبو عابد الحسيني، فقد كنا نظن الموت يخشاه ولا يقترب منه، فلقد عمَّر فوق ما يعمر البشر واستقر في وجدان العزبة وما حولها من كفور كمارد لا يموت، ولكن اقتنصه الموت في غفلة وفي لحظة فكأنه ماكان، ولولا عابد ما كنا نذكره... وتردد الاسم في رأسه فأرسل فاضل خلف حامد ليأتي بعابد الحسيني فهو الملاذ الأخير والنجاة الأكيدة من موت محقق، ولم يعد يلمح أحد من الفلاحين يسير يمينا أو يسارا أو في الحقوق الممتدة علي مرمى البصر.. اللعنة ما بالهم، أين هم؟، ما الذي أخفاهم عن عيني هل هو الموت؟..هل هو حميد الغربي وسطوته في القلوب؟، وهل يأتي الموت سيرا من طريق الزراعية وعلي رؤوس الأشهاد؟ أو لم يخبروننا أنه يأتي متخفيا...ولا نراه.. واقتحمه الموت مبتسما، فتبدي له القزم عملاقا..وتضاءلت عملقته أمام حميد فصار هباء لا يذكر... إيهٍ يا عبد العليم، أتخشاني إلي هذا الحد؟... يا رجل أن في عزبتكم وبلا سلاح، وعلي كتفك البندقية التي قتلت بها أحمد أبو سبع؟... ودارت عينا عبد العليم في مجريهما، يا الله ما أضعفنا أمام القدر، وأجزنا عن الفعل والقول، وبهبةٍ أخيرة للحياة تحسس عبد العليم بندقيته بيمينه المرتعشة، وأنزلها من فوق كتفه وصوبها إلي حميد المبتسم، الممتد الظل من الأرض إلى السماء، واتسعت ابتسامة حميد وهمس: أعلم يقينا يا عبد العليم أن البندقية بلا ظروف(رصاص)، ففي بيتك تحملها فارغة لتخيف بها الفلاحين فقط، وتخشي أن يصيب أبناؤك بعضهم بها...فماذا بعد؟... وارتج عبد العليم وأيقن بأن رحلته إلي باطن الأرض أوشكت، خاصة أن العصافير التي تملأ الأشجار حول بيته صمتت وأقلعت عن التغريد...احتراما لمهابة الموت، وراقب بعين ملؤها الموت يد حميد وهي تخرج من (السيالة).. واقتحم حضرة الموت صوت عميق مهيب فكأنه صوت القدر وهو ينهي هذه اللحظة الرهيبة؟... ماذا يا حميد أتجرؤ علي قتل أحد في عزبتي ودون إذني؟... قهقه حميد: لا يا عابد فعبد العليم مثله كمثل الساعة في جيب الصديري، أقتله وقتما أريد...لقد مررت لألقي عليك التحية لا أكثر... وسقط عبد العليم أرضا.