كنت أصرخ و"أشد" فى شعرى كالعادة بعد عودتى من العمل، وابنى الصغير يتابع باهتمام مباراة كرة قدم عالمية، وما أن انتهى منها حتى ذهب للجلوس أمام الكمبيوتر لممارسة ألعابه المفضلة، كنت أصرخ عليه حتى يذاكر وينتبه لدروسه، لكنه نظر لى من وراء نظارته الطبية في تعجب وهدوء قائلا "ماما يجب أن تستريحى قليلا حبيبتى".
كلمة حبيبتى وقعت على مسامعى مثل السحر، وتركته يمسك يدي ويقودني إلى أقرب كرسي، وأنا منومة مغناطيسيا، فهو يقول لي "ماما حبيبتي" كدت أن أرتطم بأحد الكراسي، و"أتكعبل" بطرف السجادة الشرازي العتيقة لكنه نبهني "حاسبي يا ماما".
كأنني أمام بحر، رفعت ملابسى قليلا حتى لا تبتل، وجلست أمامه وقد غاب عن ناظري قليلا، ووجدته يأتي بكوب كبير من الشوكولاتة الساخنة و يخبرنى أن هذا سوف يهدأ أعصابي، ارتشفت "الهوت شوكلت" بسعادة وقال لي "يجب أن تستريحي قليلا يا ماما، الصراخ لا يفيد"، قلت في عقل بالي "ايوة زي الجرية بالضبط، لا تفيد"،استطرد قائلا "أعرف أنك تتعبين كثيرا في تربيتنا والمذاكرة وعملك، لست صغيرا، فعمرى عشر سنوات"، بصراحة فرحت، أخيرا هناك من يقدر تعبي ويقدرني أنا شخصيا.
أكمل كلامه قائلا "ممكن تنامي قليلا، وأنا سأنتهي من لعبى وأذاكر، يجب أن تكوني سعيدة ومبسوطة"،هززت رأسى قائلة "هاكون سعيدة ومبسوطة جدا لما تذاكر وتلتفت لدروسك، وتراعينى وتنظف حجرتك وتنهي طبق طعامك".
مثل طبيب نفسي خبير، نظر لى بتمعن قائلا "يبدو أنكِ لا تريدين أن تستريحي قليلا"، ثم طلب مني خمسين جنيها ولما سألته لماذا؟ أجاب قائلا "لأننى مفلس تماما وعيد الأم بعد أيام، وأريد شراء هدية مناسبة لكِ، وطبعا ليس لدى مانع من خصمها من مصروفي اليومي.
كالمغيبة أعطيته المبلغ المراد، وبعد قليل وجدته يأتى بورود حمراء قائلا "تلك هديتي"، كنت أعرف أن تلك الورود ثمنها لا يتعدى خمسة جنيهات، لكننى تغاضيت عن ذلك وقلت في نفسي إن العبرة بالقيمة والهدف المعنوي.
شعرت وقتها أني مخدوعة وأن طفلي استغلنى، وبدأت فى مطالبته بتسديد الخمسين جنيه من مصروفه كما وعدني، لكنه احتضني قائلا "أنا بحبك يا ماما،أنتِ نور عنيا".