مسحراتي النزهة.. الصبح خرسانة وبليل طبلة
مسحراتي النزهة.. الصبح خرسانة وبليل طبلة
بخطي ثابته وعينان ثاقبتان وكلمات رنانة وملابس مهندمة، يتجول الخمسيني علي الفيومي، مسحراتي منطقة النزهة،َّ في شوارع الحي، كي يوقظ النيام ويشعر الجميع بأن طقوس رمضان لم يؤثر عليها فيروس كورونا المستجد.
ربما تكون الليلة ليست كباقي ليالي رمضان التي اعتاد عليها "العجوز" فالأطفال لا يلهون حوله كما اعتاد، وضجيج الحركة غاب بعدما منع الحظر المواطنين من التجول، ولكن "الفيومي" كان له رأي آخر، حيث قرر النزول حتى يدخل الفرحة في قلوب الأطفال التي تنظر إليه من النوافذ والشرفات، ويهللون فرحا كلما ارتفع صوته بأسمائهم.
الفيومي: ده تاني جيل أسحّره.. وكنت هنا من وقت ما كانت المنطقة شارعين بس
"من سنين طويلة بطلت أعدها وأنا شغال مسحراتي، أول ما جيت من أسيوط كان عندي 18 سنة وكنا في أوائل الثمانينات، الصبح كنت بشتغل عامل خرسانة على دراعي وفي رمضان الف أسحر الناس"، يسترجع "الفيومي" الذكريات بعد أن صمت لثواني معدودة وكأنه تذكر شيئا من الماضي البعيد، ويقول: "زمان أول ما اشتغلت كانت المنطقة عبارة عن شارعين من أول جسر السويس لحد الطريق الجديد عند جمال عبدالناصر، وشوية بشوية بدأت الشوارع تزيد والعمارات والناس، والخير برضه زاد، لدرجة إني مره في اوائل التسعينات جمعت حوالي 15 كيلو شيلنات".

عم علي الفيومي: افتكر أول فلوس ليا كانت حوالي 15 كيلو "شيلِنات"
لم يعرف الخمسيني السبب الذي دفعه إلى شراء طبلة صغيرة ويمتهن مهنة المسحراتي؛ سوى أنّه يجد سعادته وما حرم منه وهو صغير في فرحة الأطفال من حولة وهم يلهون ويرددون كلماته الرنانة" اصحى يا نايم وحد الدايم".
يبدأ مسحراتي النزهة جولته في تمام الثانية عشر ونصف حتى الساعة الثالثة صباحًا، يجوب الشوارع ينادي على الأطفال بأسمائهم: "في الشتاء الشديد بتاع التسعينات كنت شغال وكان وقتها رمضان له طقوس خاصة، كنت بلف المنطقة في نص ساعة، لكن دلوقتي بخلص مع الآذان".
بعد أن استقر به الحال في القاهرة أنجب ولدين، الأكبر يدعى "أحمد" 19 عامًا والأصغر "محمد" 17 عامًا، وابنة وحيدة تدعى "أمل" وهي أكبر الأبناء وتبلغ من العمر 23 عامًا: "ربيتهم أحسن تربية، ورفضت إن حد من الولاد يشتغل معايا".
يشير عم علي الفيومي إلى أنَّه يعمل حتى الآن في الأعمال الخرسانية رغم من تقدمه في العمر حيث أنّها تعد مهنته الأساسية متخذا المسحراتي مهنة ثانوية: "أهو بسترزق بأي مبلغ يساعد على المعيشة، وربنا بيراضيني آخر الليل برضه".