الشيخ محمد رفعت، حنجرة ذهبية، ولحن من ألحان السماء والخلود، صدح بالقرآن الكريم، فاهتز له وجدان الشعب المصرى كله، بل اهتز له وجدان المسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها، حتى تحول صوت الشيخ رفعت إلى واحد من مكونات الثقافة المصرية الأصيلة، وارتبط فى أذهاننا ووجداننا جميعاً بلحظة الغروب فى شهر رمضان، وانطلاق مدفع الإفطار، وفى 9 مايو 2014م تمر الذكرى الرابعة والستون لوفاة الشيخ محمد رفعت، وقد تحرك خاطرى لإحياء ذكراه، وكتابة شىء عنه، لأننى عايشته، واحتكيت به، وربطتنى به ذكريات جميلة، فرأيت أنه من الوفاء الذى ربانا عليه الأزهر الشريف أن أجدد ذكراه، وأكتب عنه، وقد سبق لى أن تشرفت بمثل ذلك قبل نحو أربعين سنة، فقد كتبت عنه -رحمه الله- مقالاً فى جريدة الأخبار بتاريخ 10/5/1972 قلت فيه: فى مثل هذه الأيام من اثنين وعشرين عاماً سكت صوت ندّى، كان يذكرنا بالله، وهو يتلو كتابه أصدق وأعذب ما تكون التلاوة، فيغمر الأنفس يقين بأن الشيخ محمد رفعت -نضّر الله روحه ونوّر ضريحه- قد ورث دون سواه مزمار أبى موسى الأشعرى الذى قال فيه رسول الله: «لقد أوتى أبوموسى مزماراً من مزامير داود».
كان الشيخ يقرأ كتاب الله مدركاً واعياً من مراده فيه ما يبلغ به أغوار النفس، وما يحرك الأرواح والعقول والقلوب معه بين شواهد التوحيد، ومشاهد الوجود، وبين بديع صنع الله فى الآفاق والأنفس، وبين أصدق الحديث وأحسن القصص، فلا يود سامع أن تنتهى هذه التلاوة لفرط ما فيها من حلاوة وطلاوة، تتخطى الحدود وتجتاز القارات، ويسمعها الناس شرقاً وغرباً، فتصنع فى عقولهم وقلوبهم ما لا يصنع السحر، وتدعو من لم يؤمنوا بدين هذا القرآن أن يأتوا إليه بالإذعان والإيمان، وربما حدثنا صديقنا القديم الأستاذ محمد فتحى عن الرجل الذى جاء من وراء البحار متأثراً -وهو غير عربى- بقراءة الشيخ رفعت، واستمع هذا الأجنبى إلى صوته فآمن واهتدى.
رحم الله الشيخ رفعت، ورزق قراء القرآن بعض أدبه وخشوعه وتواضعه، واليوم أذكر الشيخ الذى لا ينسى، والذى يقدم وهو فى جوار مولاه قراءاته فى شتى أقطار المعمورة، وهو يزيد على مر الأيام تألقاً وامتلاكاً بجدارة للمشاعر والأحاسيس.
وكم كتب الكاتبون وذكر المنصفون فى شرق الدنيا وغربها وشمالها وجنوبها مما لا ينكرونه لقارئ لكتاب الله عز وجل من القراء والأدباء والساسة، وأستعيد من ذاكرتى ذلك الأسبوع الأول من مجيئى إلى القاهرة عام 1936م، حينما جئت وابن قريتى الأستاذ أحمد العسيلى، وابن خالته عبدالعزيز الدابى، لقد ذهبنا إلى مسجد فاضل باشا، فى شارع بورسعيد، لنستمع إلى الشيخ رفعت وهو يقرأ سورة الكهف يومئذ، وحرصت على أن أجلس من خلفه، وبينى وبينه ثلاثة صفوف، وارتفع صوت الجمهور بعبارات التقدير للشيخ -رحمه الله- فوقفت وقلت: أيها الناس.. إن الشيخ جدير بالتقدير والإكبار، لكن الله يقول: «وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»، فإذا بالشيخ يلتفت إلىّ ويقول: (الله يفتح عليك)، وهى عبارة لا أزال أجد حلاوتها وجميل وقعها فى أذنى إلى الآن.
وأذكر موقفاً آخر، وما أكثر مواقف الإعزاز بالشيخ، فقد عاد إلى بيته ظهر يوم من الأيام، وما كان فى حسابه أن يخرج ثانية إلى الناس، هكذا قال لابنه لما سأله، وتناول غداءه وأغفى إغفاءة لم تطل، ثم قام من إغفاءته هذه ليقول لابنه: أحضر العربة التى كان يجرها الحصان، فإنى رأيت فى إغفاءتى تلك أنى وصلت إلى شارع المبتديان -وهو قريب من مسكن الشيخ- ثم سرت فيه غرباً، ثم انحرفت يميناً، فإذا بى أجد نفسى فى مجمع عزاء، وكانت مفاجأة لأصحاب هذا المجمع الذين استقبلونى بالترحاب، وقرأت ما شاء الله، ثم عدت للبيت، وقد حقق الشيخ رفعت تلك الرؤيا فى عالم الواقع، كما رآها بالضبط، وكان الذى رآه بعد ذلك رؤية استوجبت شكر الله.
كما أذكر أننى ذهبت للتليفزيون لأقدم حديثاً فيه عن الأيمان والحلف وأحكام ذلك، وصادف يوم ذكرى وفاة الشيخ، وكان ابنه حاضراً، فقال له مقدم التليفزيون: أنت جئت لتتحدث عن ذكرى والدك، وأنا أقدم لك الشيخ معوض عوض إبراهيم، الذى طالما كتب عن والدك فى كثير من الجرائد، فقال حسين، ابن الشيخ محمد رفعت، لن أتكلم اليوم عن والدى إنما يتكلم عنه الشيخ معوض، جرى ذلك فى مشهد من ابننا الأستاذ أحمد عفيفى، الذى لا يكاد يسمع القرآن إلا من الشيخ محمد رفعت، ويذكر له سيلاً من مواقفه المؤثرة -رحمه الله- أيضاً.
لا أحب أن أطيل الكلام والذكريات، وأنا أقف على رأس مائة سنة من العمر، لكنى أحببت أن أتقدم بلمحة وفاء للشيخ محمد رفعت، هذه القامة المصرية الشامخة، التى جذبت أسماع الناس وقلوبهم إلى القرآن، بروعة أداء لا يتكرر، رحمه الله رحمة واسعة.
* الشيخ معوض عوض إبراهيم تخطى المائة عام.
- من أشهر علماء الأزهر وأكبرهم سناً، ولد عام 1921 بقرية كفر الترعة الجديدة مركز شبين.
- عاصر عدداً من الأئمة الأعلام، أمثال الشيخ المراغى، والشيخ شلتوت، والشيخ على سرور الزنكلونى.
- منذ عام 1935 يكتب فى الصحف والمجلات المصرية والعربية.