م الآخر| حفاة على أرض الذهب

كتب: هاشم السيد متولي

 م الآخر| حفاة على أرض الذهب

م الآخر| حفاة على أرض الذهب

إن من ينظر لحال المواطن المصري دون النظر لبلده، يتصورأنه من أرض قفراء لا زرع فيها، ولا تعدين، ولا ماء، بل يتصور أنها دولة حبيسة؛ حتى أنه يتصور أن الرمال تخلو من أقل مكوناتها الطبيعية. هذا التصور لا يأتي من فراغ، بل مترتبًا على حال أغلبية المواطينين، بجانب كون المورد الاول في ميزانيات الدولة هو الضريبة بأنواعها المختلفة، تليها بعض الموارد التي تؤكد تصوره من سياحة وملاحة (قناة السويس)، فهي موارد حقًا تخيل أنه لاتواجد بأرض مصر أي موارد طبيعية. لكن عندما نستعرض بعض من الموارد التي لاتخفى على أحد يكون عجب العجاب، فدعونا نعجب سويًا: يتذكر أغلبنا عندما أعلنت الحكومة في 2010، عن زيادة مرتبات في القطاع الحكومي تصل لـ 30%، والتي رفعت لأجلها أسعار المحروقات حينها، لكن المضحك المبكي في الأمر أن إذاعة البرنامج العام في أخبارها كانت تذيع خبر ان الرئيس كلف الحكومة أن تُوجد موارد من أجل هذه الزيادة التي -لاتعود نفعها على معظم الشعب المصري. يلي هذا الخبر مباشرة خبر اكتشاف نسبة ذهب كبيرة في سلسلة جبال البحر الأحمر، تجعل مصر حال استغلاله من أكبر منتجي الذهب في العالم، العجيب في الأمر أنه حتى يومنا هذا لم يعمل فيها غير منجم واحد (منجم السكري)، وحتى هذا المنجم فهو لا يخص الدولة، ولا يعود عليها إلا بفتات الفتات من إنتاجه؛ والمبررات الواهية من الحكومات المتاعقبة تتركز في (صعوبة جلب التكنولوجيا التي من شأنها استخراج هذا الذهب) مع العلم أنه إن صح ذلك المبرر، فهناك أساليب اقتصادية كثيرة من شأنها جلب هذه التكنولوجيا. رغم أن هذا المبرر الواهي نفسه مضحك، حيث أن كثير ممن يطلق عليهم "الذهابة" يستوردون أجهزة بسيطة التكلفة؛ للتنقيب عن الذهب ويستخرجون كميات مناسبة لهم، بأساليب يدوية، ولا تتوانى الحكومة عن القبض عليهم موجهة لنفسها سؤالًا محرجًا، هؤلاء الدهابة يستخرجون الذهب بمجهوداتهم الشخصية وانتي (أي الحكومات المتعاقبة ) بكل إمكاناتك الرهيبة تعتذرين بعدم قدرتك على استخراجه. واستمرارا للعجب في أرض العجائب، فقبل خبر اكتشاف الذهب بشهور، كان هناك تحقيقًا منشورًا في جريدة الأهرام، كان كاتب التحقيق مهندسًا كبيرًا يمتلك شركات كابلات ألياف ضوئية بأمريكا، وكان موضوع التحقيق عن كابلات الاتصالات المارة بقناة السويس، وكان التحقيق متزامنًا مع خبر انقطاع كابل اتصالات بالبحر المتوسط، وذكر كاتب التقرير أن مصر في حال تحصيل الجمارك المستحقة على مرور هذه الكابلات في أراضيها؛ فإنها ستوفر دخلًا أكبر من دخل قناة السويس، ويكفي لتجديد شبكة السكة الحديد كاملة خلال عام واحد. كما ذكر كاتب التحقيق ذهابه بخرائط الكابلات لوزارة الاتصالاتن حين علم عدم تحصيل الحكومة للجمارك المستحقة على تلك الكبلات، فأقسم له أحد المسؤولين الكبار عدم مرور أي كابلات من قناة السويس، مع العلم أن هذه الخرائط موجودة بكثير من القنوات الإخبارية حينها، وكانت تعرضها تعليقًا على خبر انقطاع الكابل بالبحر المتوسط، والذي أثر على الهند حينها فمن اين مَرّ؟. وحتى أحاول الإيجاز، فهناك موارد أخرى كثيرة من ثروات تعدينية، وموارد متجددة لتوليد الطاقة (الرياح والشمس)، وغيرها ما يجعل مصر من الدول القليلة ذات المساحة المتوسطة، والقدرة (من جهة الموارد الطبيعية) على تحقيق الاكتفاء الذاتي، ففيها مايكفي لإطعام شعبها من الاراضي الزراعية والمياه، وفيها مايكفي من الخامات لصناعة معظم الصناعات الأساسية والكمالية في عصرنا الحديث مثل (البترول والفوسفات، والسيلكون، والحديد)، ولكن - وهو حقًا عجب العجاب – بلد بمثل كل هذه الهبات الإلهية تعتمد في كل أساسياتها على الاستيراد من الخارج ،فكان ما نحن فيه الآن من لهث وراء العملة الصعبة رغم قدرتنا في حال تطبيق الاكتفاء الذاتي عن الاستغناء عنها تمامًا، وماذا أقول في نهاية هذا المقال إلا كلمة واحدة للراحل الكبير صلاح جاهين.. وعجبي. أتمنى لو يعرض هذا المقال على كل من مرشحي الرئاسة الآن؛ ليخبرانا عما ينتويا فعله في بلد بمثل هذا الحجم من الموارد الطبيعية.