أكتب لكم من منزل «وردة» ليلة رحيلها

كتب: محمود موسى

أكتب لكم من منزل «وردة» ليلة رحيلها

أكتب لكم من منزل «وردة» ليلة رحيلها

أكتب لكم من منزلها، من منزل المرحومة «وردة»، حيث يرقد جثمانها وتحلق روحها. القرآن والدموع هما الشيئان الوحيدان الموجودان فى منزلها ليلة الجمعة، أرى الدموع وأسمع صوت البكاء حزنا عليها، كل من هنا يبكيها، البشر والحجر وكل شىء. صوت الشيخ «عبدالباسط عبدالصمد» يأتى مذكرا برحمة الله، وسط دموع تتساقط، وحزن يلف الوجوه، بل والمكان. وجوه لم تتح لى الفرصة أن أقابلها أبدا، وشاء القدر أن أدخل منزلها للعزاء، وهى القيمة والرمز والتاريخ. يكفى اسمها فقط «وردة» التى جعلت من أغانيها نشيدا قوميا للعاشقين والمحبين، صحيح أننى لم أكن أنوى الكتابة عن ذهابى للعزاء ليلة رحيلها، ولكن أثناء وجودى فى منزلها فى الدور 21 فى حى المنيل، لم أتمالك مشاعرى. الساعة تقترب من الواحدة بعد منتصف ليل الجمعة، والسفير الجزائرى «نذير العرباوى» يقف بنفسه لاستقبال الجميع، كان الحزن يملأ عينيه وقلبه، ولِمَ لا وهى القيمة والرمز؟ يتلقى اتصالات العزاء، فهذا مسئول، وذاك فنان، وهذا سفير المغرب يتصل به من هناك، لقد جمع المنزل حشدا من النجوم والمحبين والعاشقين لوردة العرب. أكتب من منزل «وردة»، وأرى أمامى «نجاة» هذه السيدة التونسية التى بدأت علاقتها بالفنانة كمعجبة، فأصبحت «وردة» بعد ذلك كل حياتها، ووهبت لها نفسها، حبا فى «المدام» كما كانت تناديها. «نجاة» لا تصدق، وتقول: «المدام ماتت على إيدى»، يبدو عليها الانهيار، دموعها لا تتوقف، وفى داخلها أسئلة من نوع «ماذا أفعل من بعدك؟»، تبكى ثم تناجى: «المدام ذهبت أمس «الأربعاء» لشراء بعض الأشياء من مول كبير، وماتت دون أن تفتح الأكياس». وها هى المخرجة «ساندرا» التى اقتربت من وردة وأخرجت لها فيديو كليب «اللى ضاع من عمرى» إحدى أغنيات ألبومها الأخير، الدموع فى عينيها، وتقول من قلبها لا شفاهها: «إنها بنى آدمة وإنسانة.. للأسف اللى بيموتوا هما الناس الحلوة» وتغرق فى البكاء. وغير «ساندرا» هناك «أنغام» التى كانت تبكى بصوت مسموع، وفيفى عبده أيضا، وحشد من الأشقاء الجزائريين. أثناء جلوسى توقفت عند عدد من الصور التى تزين جدران حوائط المنزل، والتى تجمعها بنخبة من عمالقة السياسة والفن، هذا هو الزعيم الخالد جمال عبدالناصر، وهذا عبدالحليم، وهناك صور أخرى لها. يشير أحد الحاضرين إلى أحد الكراسى، وهو يقول لى: هذا هو الكرسى الخاص بـ«وردة» مغطى باللون الأبيض.. وكأنه «الكفن». الدموع تتساقط من العيون، قبل أن تشير لى سيدة أخرى لتقول: هذه هى القطط التى أحبتها، والغريب أنى شعرت أن القطط تبكى أيضا، حتى إن أحدها ظل على السلالم الخشبية لم يبرح مكانه، وهذه سيدة أخرى تصور القط الأبيض الذى كان يتحرك وكأنه يبحث عن وردته التى كانت تعامله كطفل. وأثناء وجودى جال بخاطرى: ماذا لو أنها توفيت ورحلت فى عهد مصر «عبد الناصر».. ماذا كان سيفعل؟ من المؤكد أنه كان سيخصص لها طائرة خاصة لنقلها، إذ كان يقدر قيمة الفن والفنان، ولكن للأسف نحن نعيش فى زمن طالت فيه الذقون وسيطر فيه الكذابون، من كارهى الفن والحياة. رحلت «وردة» التى أحبت مصر، وعاشت فيها، وشربت من نيلها، وكان يجب أن يكون علم مصر هو الذى يحضن علم الجزائر معا، حبا فى وردة، هذه الجزائرية التى جعلت من جنسيتها اسما لها، وجعلت من أغانيها نشيدا للعاشقين والمحبين. لقد رحلت وردة بجسدها، ولكن سيبقى صوتها خالدا، يصدح لكل الأجيال التى تملك قلوبا عاشقة للحياة والوطن.