البار مان
"شارب الخمر ليس دائما صاحب مزاج ، أنتم اقلية في هذا الزمان ، لكن الأغلب الأعم من السكاري هاربون من شئ ما ..هم كالشخص الخائف الحبيس في مكان كئيب مغلق عليه وحده ، وعندما تفتح له باب يطل على حديقة لن يتوقف كثيراً أمام تنسيق زهورها ، بل سيشكرك بحرارة ، وبعد عدة كئوس من يدي أستطيع أن أقدم له أي شئ ملون بنقطة واحدة وأيضاً سيشكرني .
إنا اعرف ذوق زبوني من عينيه ، من حركات جسده ، من توتره من عصبيته وهدوئه ، كل منهم له مشروبه وكل له طريقة في صنعه ، نحن نعيش في فقاعة كبيرة الشاطر فينا هو من يخرج منها لينظر إليها من بعيد فيري الأخرين جيداً ويقرأ افكارهم ثم يعود ليلبي احتياجاتهم فيحقق لهم النشوة التي جاءوا من اجلها "
هذا مقطع من رواية البارمان للكاتب اشرف العشماوي ، لخص لنا حياة الحانات والبارات في فقرة صغيرة وبعمق ، وبين مدي ادمان الناس لساقي يسقيهم نشوة زائفة ، كما ادمن الشعب للحاكم الذي يسقيهم وعوداً كاذبة .
ابطال هذه الرواية مزيج من شخصيات متباينة اجتماعيا وثقافيا وماديا ، اختارها المؤلف بعناية وغاص في اعماقها بدقة وحبكة تدل علي حرفية عالية ، يلتقي معظمهم في حانة شهيرة في الزمالك حيث تدور صفقات وعلاقات ودعارة ، يحلق بنا الكاتب في عالم غريب بتفاصيله الدقيقة والغريبة ، يمسك بتلابيب هذا العالم البار مان "اسنيفي "الذي يمسك بخيوط الشخصيات في يده يحركها كما يشاء كالماريونت ، وفجأة تفلت منه كل الخيوط ولا يبقي له شياً
سلط الكاتب الضوء علي شريحة من المجتمع من السياسيين ، وأصحاب النفوذ ، وزراء سابقين ، شباب ضائع ونساء مغمورة يبحثن عن الشهرة، كل منهم يبحث عن ساقي يسقيه نشوة زائفة ، صور لنا بشكل سينمائي مشاهد تراها بعينك من دقه وصفها ، شخصيات كثيرة كل منها له حكاية منفردة تجمعهم جميعا ً حانة استيفي .
وتنتهي الرواية نهاية غير متوقعة ليس بانتصار الخير على الشر ولكن انتهت بظلم ناس كثيرة هم اصلا ً مظلومين ولكن هذا الواقع الذي نعيشه مثلما كتب العشماوي "
مثلما ينفض السامر ويلملمون خيمة السيرك لينكشف العراء ويبدأ المهرج في خلع قناعه وإزالة المساحيق عن وجهه .. تنجلي الحقيقة وتظهر الوجوه الحزينة المرهقة البائسة ، يهدأ الأسد ويكف عن الزئير ويصبح وديعًا كسولاً كقطٍ أليفٍ ، يسدل الستار عن المسرح بأضوائه الباهرة ليختفي الجميع في ظلام الكواليس وبعدها بليلة تضاء الأنوار ، يجدهم فى انتظاره بلهفة ، نفس جمهوره لا يتغير ، يترقبون حضوره وكأنهم على موعد مسبق مع قدر تعيس مختار لا يحيدون عنه ولا يخطئهم أبدًا