ليس مجرد بائع أحذية عادى، يفترش الأرض، وينتظر قدوم الزبائن المتجولين فى أرجاء وسط البلد، بل يعتبر نفسه صاحب مكان لم يبرحه منذ 9 سنوات، لم يكفَّ خلالها عن النداء على بضاعته، ليغدو ضحية يوم تبدلت فيه الأحوال، بدأه فى الشارع وانتهى به الحال أيضاً فى الشارع، ولكن هذه المرة دون عمل.
سيد شفيق عاش لحظات صعبة بين وداع مصدر رزقه الوحيد وقت إزالة سيارات الإشغالات لفرشته التى تتوسط شارع طلعت حرب، والتفكير فى مستقبل لا يملك تغييره محكوم عليه بانتظار الفرج: «بقالى سنين قاعد فى شارع طلعت حرب، ببيع جزم، ما تصورتش أبداً ألاقى نفسى مطرود من مكانى وقاعد فى الشارع، بس المرة دى على القهوة، من غير شغل والبضاعة مرمية فى بيتى»، يوم عم سيد لم يكن هادئاً كما يتصور البعض، فقد كان كغيره من البائعين مطارَداً من رجال المرافق: «كل شوية نشيل الفرشة ونجرى بس فى النهاية كنا بنرجع لأماكنا».
يوماً بعد يوم، لا شىء يتغير، فالسوق الحضارى الذى تعمل الحكومة على إزالة إشغالات وأكشاك وسط البلد لحين إقامته، بات «مُسكناً» لتهدئة البائعين بعد التضييق عليهم لمغادرة المكان بالقوة، بعد أن سقطوا من حسابات الحكومة، بحسب وصف الرجل الخمسينى: «أكتر من 2000 أسرة بيعولها البياعين فى وسط البلد، غير الشباب العاطل اللى مش لاقى شغل، كل دول بقوا فى الشارع فعلاً». السخط الذى تعيشه أسرة «سيد» بعد القضاء على مصدر أكل عيشهم، قابلته حالة مختلفة من الفرحة سيطرت على عائلة كامل عبدالفتاح، الذى يسكن شارع طلعت حرب منذ سنوات، وكان يجد صعوبة فى التحرك داخله بسبب زحام الباعة المفترشين أرصفة المحلات وقارعة الطريق: «بقالى 45 سنة ساكن هنا، عمرى ما شفت قبح فى وسط البلد زى بعد الثورة، الشارع بقى مليان بياعين وبلطجية، والطراز المعمارى اختفى تماماً وسط الزحمة، وكل ما نشتكى، ويمشوا البياعين، يرجعوا بعد أيام لأماكنهم من جديد».