جثمان ملفوف فى ثوب أبيض يتوسط المشرحة، كان نتاج رحلة طويلة لشاب فى منتصف العشرينات، قصد سيارة أجرة ليستقلها برفقة 10 من قريته القطا بالجيزة، فى طريقهم إلى أرض زراعية للعمل فيها بالأجرة، فانقلبت بهم ليغادر كل من حوله الحياة فيما ظل ينازع فى انتظار محاولة إنقاذ، عجز ذووه عن الحصول عليها داخل مستشفيات أوسيم، وقصر العينى الحكومى، والفرنساوى، لم يستطع بعدها مقاومة الموت وضمائر الأطباء التى لا تتحرك، بينما دماؤه مستمرة فى النزيف على الأرض.
أنهى حسن عبدالبر تعليمه فى كلية الحقوق، وكغيره من أبناء قريته لم يجد وظيفة، فارتضى بالعمل مزارعاً بالأجرة، لينفق على أسرته، لكن الموت كان الأقرب له من كل شىء، بحسب شقيقه محمود «نزل الصبح زى كل يوم، بعد صلاة الفجر، وبعد ساعة لقيت حد بيتصل بى، ويقولى أخوك بين الحياة والموت».
«عمر جديد» كان فى انتظار «حسن»، لكنه ضاع وسط روتين المستشفيات الحكومية، بعد أن رفضه مستشفى أوسيم بعبارة «مش بنستقبل حوادث»، ويحكى «محمود»: «ظل يصارع الموت حتى وصولنا إلى مستشفى قصر العينى، وهناك قابلنا الرد نفسه: «مفيش مكان فاضى»، فلجأنا للقصر «الفرنساوى»، وناشدت الإدارة إنقاذ شقيقى، لكن قالوا: «الحوادث مكانها مش هنا»، ويدخل «محمود» فى نوبة بكاء، إذ أيقن أن أخاه فى عداد الموتى «بعد 6 ساعات بين المستشفيات، محدش راضى يقبله، كان دمه خلاص اتصفى، وأطرافه تلجت».
المستشفى الذى رفض استقبال «حسن»، وهو حى يرزق، كان على أهبة الاستعداد لاستقباله ميتاً، بحسب شقيقه محمود «أول ما كشف عليه الدكتور فى قصر العينى الفرنساوى، ولقى إنه مات خلاص، دخله المشرحة، وقال محدش يقرب له لغاية ما تيجى النيابة».