مصطفى محمود يظهر تحت سفح الأهرامات.. «منها لله الثورة»
ثلاثة عند سفح الهرم الأكبر خوفو، قد لا يلحظهم الكثيرون وهم يتوارون داخل تجاويف الهرم، مشهدهم المتواضع لا يوحى بأنهم سيّاح، أو زوّار، إنهم يعملون، ولكن السياح فى المكان قليلون للغاية، نادراً ما يقترب منهم أحد، ليعرف أنهم يبيعون أغراضاً من أجل الوافدين لمشاهدة الهرم.
حنان، السيدة التى يبدو عليها البؤس الشديد، وابنتها دعاء، الفتاة التى تحمل بين يديها عدداً من التماثيل على هيئة قط، تقترب بلطف من الزوار، وتسألهم: تحب تشترى تمثال القط المقدس يا بيه؟ البعض يقول لها شكراً، فيما لا يعيرها الكثيرون اهتماماً، انقضى اليوم دون أن تبيع أياً من تماثيلها، ولم تود الحديث عن ذلك، تأبطت ذراع والدتها وخرجا من حيث دخلا إلى ساحة الأهرام.
فيما رحلت دعاء وحنان، بقى مصطفى، رغم أن الساعة كانت تشير إلى الرابعة إلا دقائق، موعد مغادرة الزوار والباعة أيضاً، إلا أن ثمة أملاً كان يرواده فى أن يشترى منه أحدهم عقالاً، كى لا يرجع خالى الوفاض، فهو يودع عمله مبكراً ليتسعد إلى رحلة المدرسة كل صباح.
«أنا شغال الشغلانة دى من ساعة ما كان عندى خمس سنين، شاربها، وباحب اتعامل مع الأجانب» يتحدث الفتى الذى يبلغ من العمر 15 عاماً، بملل ممزوج بهدوء غريب، ويواصل: «أبويا بيشتغل سواق، وأمى قاعدة فى البيت، مش مجبر أشتغل، وأبويا بيقولى لما تخلص تعليمك ابقى اشتغل، بس أنا باحب اشتغل هنا، باخد حاجات من البازار تحت، وآجى هنا أبيعها، كنت متعود أبيع أهرامات، بس الورشة اللى بتعملها فى نزلة السمان وقفت خلاص، فقلت اتصرف، أخدت عقال وغترة مع بعض، وجيت وقفت بيهم، باجى من الساعة 8 الصبح، وبافضل قاعد لحد الساعة 4، النهارده ما بعتش غير عقال واحد، لمصريين بـ10 جنيه».
اسمه مصطفى محمود، على اسم العالم الكبير الراحل، إلا أنه لا يعلم عنه الكثير، ولا يطمح من هذا الوجود إلا فيما ستتيحه له الظروف أياً كان، الفتى الصغير مستسلم تماماً لمستقبله، لم يكن مصطفى كباقى التلاميذ يجهز ليومه الأول فى مدرسة «المشير» بنزلة السمان، فحقيبة العام الماضى ستفى بالغرض، المدرسة لا تؤرقه بقدر ما تؤرقه الأحوال من حوله، «قبل الثورة كانت الأحوال حلوة، لكن من ساعة ما قامت الثورة منها لله، والحال وقف».
يتذكر المرة الأولى التى جنى فيها أكبر قدر من المال فى حياته باعتبارها اللحظة الأسعد فى عمره، «كان عندى عشر سنين، وجبت فى يوم واحد بس 200 دولار، كنت هاطير من الفرحة، أى نعم ما تكررتش، بس بصراحة الشغلانة دى اللى يمسك فيها فلوس مرّة، يحبها ومايقدرش يسيبها تانى».
الفتى الذى يدخل عامه الثانى الإعدادى، يشبه العجائز إلى حد كبير فى حديثه عن الماضى وخيره، «زمان كان أحلى، الواحد كان يمسك جنيه فى إيده يحس إنه مسك حاجة، دلوقتى بامسك الميّات ولا كأنهم فلوس، معدش فيه بركة، أحلى أيام فى حياتى كانت قبل ما أبويا يبيع أرضنا، كنا نقعد فى الغيط والزرع حوالينا، وكان عندنا جاموسة، كانت أيام حلوة نفسى ترجع تانى».