تقول الأسطورة إنه وفى أحدى الممالك القديمة الواقعة على المحيط الهندى، كانت هناك قبيلة تُدعى قبيلة " القلـب النازف"، وكانت قد اكتسبت ذلك الاسم من زهرة تتميز بشكلها الشبيه بقلب تتساقط منه نقاط بلون الدم، وهى زهرة سامة، ولذلك أطلقوا عليها لقب الجمال القاتل.
قبيلتنا تعيش على الزراعة وتربية الماشية، وكان نظام القبيلة يحتم على أكبر شيوخ القبيلة سنا أن يُكون مجلسا يدير شؤون القبيلة لما له من خبرات طويلة فى معترك الحياة.
"الياخور" ، هذا هو لقب أكبر شيوخ القبيلة والذى كان يحكمها فى ذلك الوقت، كان يتسم بالدهاء والقوة، ولم لا وهو يحكم قبيلته بقبضة من حديد منذ زمن بعيد فى وجود مجلس صورى للقبيلة لا حول له ولا قوة.
"شامل"، شاب صغير يرعى أغنامه ويتكسب من ورائها قوت يومه، كان كغيره من أفراد القبيلة، يعيش تحت حكم الياخور وهم خانعون راضون، وفى يوم من الأيام سرحت إحدى الأغنام بعيدا عن قطيعها وقد غافلت راعيها، ولكن يقظة الراعى شامل جعلته يلحق بها، دخلت إلى إحدى الغابات كثيفة الأشجار وتاهت منه والذى بدوره قرر أن يبحث عنها حتى يجدها، تاه هو الأخر وسط الأشجار حتى عبر تلك الغابة وكان أغرب مشهد ممكن أن يراه.
طريق طويل ممهد ملىء بالورود لا يعلم عنه أحد شيئا ويحده من الجانبين مياه البحر، وكأنه جسر ولكنه طويل لدرجة تجعله لا يستطيع أن يرى نهايته.
إلى أين يصل هذا الطريق؟
انتظر شامل طويلا على أمل أن ترجع غنمته المفقودة إليه، ولكنها لم تعد، رحل وهو فى ذهنه أن يذهب مباشرة إلى مجلس شيوخ القبيلة كى يقص عليهم ما حدث.
ذهب اليهم والخوف يخرج من بين كلماته ، استمعوا له وازدادت حيرتهم ، تشاوروا فيما بينهم وزاد الخلاف ، منهم من قال انها خرافات ولا وجود لهذا الطريق ومنهم من صدق حكاية الراعى ورأى أن يرسلوا شخص ليسير فى هذا الطريق ومنهم من أدعى أن هذا الطريق ملعون وهو سبب أدعى بالإبتعاد عنه، اختلفوا فيما بينهم وذهبوا إلى الياخور والذى سخر منهم ومن الأمر برمته وأمر بحفظ القضية وكأنها لم تكن وإبلاغ الراعى بذلك.
فضول الراعى كان أقوى من أن يقبل بهذه النتيجة السلبية، وخصوصا وكانت قد انتشرت الكثير من القصص والأساطير حول هذا الطريق بين أفراد القبيلة، رغبة شامل فى أن يكتشف الحقيقة بنفسه كانت كبيرة ولكنه يخشى بطش الياخور والذى أرسل له تحذير واضح من أن يُخالف أوامره بنسيان ما حدث تماما حتى لا يسبب المزيد من البلبلة بين الناس.
"ضرب بكلام الياخور عرض الحائط، أخذ معه من ماء وطعام ما يكفى لرحلة طويلة، وقرر أن يذهب فى الفجر لكى يكتشف المجهول"
هذا ما كنت تنتظره عزيزى القارىء اليس كذلك ؟
تنتظر منى أن أخبرك عن رحلة راعينا الشجاع وسط المجهول، تنتظر منى أن أضفى المزيد من الإثارة والتشويق على قصتى هذه بإخبارك عن الوحوش المنقرضة والأفاعى المخيفة التى قابلها شامل فى طريقه، تريدنى أن أدخلك فى جو من الإثارة والمتعة، والتى تفتقدها فى حياتك اليومية الروتينية.
ماذا لو كنت مكان "شامل"؟
كنت ستنصاع إلى أوامر "الياخور" عملا بشعار "المشى جنب الحيط"، أراك الآن وأنت تعارضنى بقولك إنك كنت ستقتحم المجهول ولن تخشى شيئا، قد يكون اعتقادك صحيح ولكن ما أدركه تماما أنك تعيش فى مجتمع لا يهوى المغامرة، مجتمع كاره للتجديد بطبعه، وللأسف نحن نتطبع بطباع مجتمعاتنا أكثر مما تتخيل، والقوة والشجاعة الحقيقية هى أن تخرج من داخل دائرة مجتمعنا المفرغة إلى عالم أكثر اتساعا، هذا هو الطريق المجهول المطلوب منك اقتحامه، والصعوبة لا تكمن فقط فى الخروج عن المألوف ولكن تكمن فى إقناع من حولك أنك على حق ولست طائشا، انت لا تعيش بمفردك ولذلك عليك أن تُقنع من حولك أنك لست مجنونا لأنك خرجت عن نظام حياتهم العقيم، ويكفى أن اخبرك أنه وبعد أن اقتحم "شامل" الطريق المجهول وعند عودته إلى أهل قبيلته وهو يحمل غنمته المفقودة، لم يجد منهم سوى أنهم اتهموه بالجنون وطردوه خارج حياتهم لأنهم رأوا فى فعلته ما يفضح ضعفهم وخوفهم.