م الآخر| "كرة الثلج".. آفة الأنظمة السابقة والقادمة

كتب: محمد النيدي

م الآخر| "كرة الثلج".. آفة الأنظمة السابقة والقادمة

م الآخر| "كرة الثلج".. آفة الأنظمة السابقة والقادمة

نظرية "كرة الثلج"، مكوناتها عامل مشترك بين كل الأنظمة السابقة، بداية من حقبة المماليك إن لم يكن من قبلها أيضا، ولكن طريقة توظيفها، وتكوينها وطبيعته، وتوجيهها نحو الإنفجار؛ لاستغلال ذلك إختلف من حقبة إلى أخرى، وكذلك المقصد من ورائها اختلف، فمن المعروف أن كرة الثلج تبدأ صغيرة، ومع تدحرجها تزداد حجما، حتى تصبح عائقا قد يكون مدمراً. هذه المكونات تمثلت فيما يواجهه المجتمع من مشكلات وتحديات علي مر العصور، اجتماعية واقتصادية وسياسية واحتلال، وأيضا سقف أحلام وتطلعات لأجيال متعاقبة حلمت وتحلم بمستقبل أكثر إزدهارا وأمانا لأبنائهم ولأحفادهم، فمن منا لم يحلم بحياة أفضل اجتماعيا وصحيا وسياسيا وتعليميا، من منا لم يصل إلي مرحلة الضيق والغضب من كثرة الضغوط الحياتية والمشكلات والالتزامات. من خلال هذه المكونات، وهذا الشحن، يأتي دور كرة الثلج بنظرة شاملة، قدر المستطاع، علي المجتمع ككل، وعلي الحوادث التاريخية التي مرت علينا، محاولين أن نقرأ ونتحري أثر تلك الكرة علي الأحداث، وسوف أترك لكم حرية تحديد طبيعة تكوينها، هل كانت "طبيعية تلقائية نابعة من المجتمع" أم كانت "مدفوعة بفعل فاعل لأهداف غير معلومة أو مفهومة"، لن أعود إلى الوراء كثيرا، وسأكتفي بما تيسر خلال القرنين الماضيين. في يوليو 1795 كان أول إنفجار لكرة الأزمات في وجه الأمير إبراهيم بك، وكان شيخ البلد آنذاك، والأمير مراد بك حليفه وكبير أمراء المماليك بسبب طغيانهم وتعديهم علي الأوقاف وزيادة الضرائب والجبايات، فخرج الشعب مدعوما بمسانده شيوخ الأزهر، وفي مقدمتهم الشيخ الشرقاوي لرفع هذا الظلم، ونجحوا في إرغامهم علي الإستجابة لمطالبهم، ووقعوا علي حجة شرعية يتعهدان فيها بعدم فرض ضرائب جديدة، أو الإقتراب من الأوقاف دون الرجوع لكبار المشايخ باعتبارهم ممثلين للناس. خلال الحملة الفرنسية علي مصر نري مشهد آخر من مشاهد الشحن الوطني وتكوين كرة جديدة للإنفجار في وجه الإحتلال، مكونها الوطنية والغيرة علي الوطن وشعبه، فكانت الفترة من 1798 وحتى 1801 مثالاً للثورات والإنتفاضات المستمرة في وجه المحتل، سقط خلالها آلاف الشهداء، ونجح الشعب في طرد الإحتلال الفرنسي، ولكن لم ينجح في أن يستقل بمقدراته فقد عادت قبضة الدولة العثمانية عليها مرة أخري. ولم يسلم عصر محمد علي الذي امتد لأكثر من أربعين عاما من الهبّات الشعبية، والتي واجهها بكل قوة وعنف، ولعل من أخطرها ثورة الشيخ رضوان في عشرينيات القرن التاسع عشر. ونري كرات الأزمات سواء السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية تتكرر علي مر التاريخ بأشكال وأسباب مختلفة في الثورة العرابية 1881 في عهد الخديوي توفيق وحتى قيام الحرب العالمية الأولى، والتي كانت بمثابة الشعلة لثورة 1919 مرورا بثورة الشباب في 1935، والحركة العمالية الطلابية في 1946 و 1947، وحركات الاحتجاج لإلغاء معاهدة 36 مرورا بثورة 1952 وثورة التصحيح وغيرها من الإنتفاضات والهبّات الشعبية، والتي كان محركا أساسيا فيها هو تكون كرة الثلج أو كرة الأزمات لتنفجر في وجه الحاكم. منذ 2005 وبعد الانتخابات الرئاسية، بدأ إحياء فكرة الشحن المجتمعي لتكوين كرة أزمات جديدة، وظهرت من الدعوات التي روّجت لها العديد من الحركات التي ظهرت في هذا الوقت، مثل كفاية و6 أبريل مع إضراب عمال المحلة وغيرها، حيث بدأت في أعمال الشحن الجماهيري ضد النظام، والتي وصلت إلي لحظة الإنفجار في 25 يناير، ويسقط النظام ويأتي المجلس العسكري وتهدأ الأمور في البداية أثناء المفاوضات، ثم تعود لتتجدد مرة أخري علي أيدي من لم ينالوا نصيبا من كعكة الحكم، وتتكون عدة أزمات، ويرحل المجلس العسكري ويأتي حكم الإخوان والذين أقبلوا علي السلطة كمن وجد طعاما بعد دهر من الجوع، وأداروا البلاد بغباء منقطع النظير أكسبهم عداء كافة المؤسسات، وحرك كرة جديدة من الأزمات بوعود خيالية وتوقيتات مستحيلة ساعدت علي الوصول إلي الكتلة الحرجة لكرة الأزمات لتنفجر في وجه الإخوان في 30 يونيو، وندخل مرحلة انتقالية جديدة أرى فيها أزمات جديدة تُجهز. فها نحن أمام رئيس يُقدم علي تركة ثقيلة من المشاكل والتحديات والمطالب الفئوية، والتي بدأت تُستغل لتكوين كرة ثلج جديدة، ودفعها للتحرك حتى تصل لكتلتها الحرجة التي تجعلها تنفجر كما انفجرت في وجه من قبله لتستمر دوامة الصراع، ويستمر التوتر قائمًا والإنحدار نحو الهاوية. فهل ينجح الرئيس الجديد في إزالة وتفتيت هذه الكرة في بداياتها قبل أن تتضخم؟، أم سينتظر كمن سبقه حتى تنفجر في وجهه؟، آمل أن يكون الاعتقاد السائد لدي بعض المراقبين للمشهد السياسي صحيحا في أن ما نراه الآن من أزمات في الكهرباء والطاقة وغيرها من أزمات ما هي إلا تمهيد لتثبيت أقدام حكم الرئيس عن طريق حل هذه المشكلات بوصوله إلى كرسي الحكم، فلا يسعنا سوي الإنتظار والترقب.