تقدّم لخطبتي رجل أحببته رغم أنف الجميع.. كان أبا لطفلين، تركتهماأمهما بكامل إرادتها وجاءني بهما يطلب يدي، ولأنني كنت فتاة صغيرة لم يسبق لي زواج أو ارتباط، فقد وقف الجميع في وجهي لمنعي من إتمام تلك الزيجة، ولكني كنت مصرّة، ورأيت نظرات الحب في عين الرجل الذي أصبح زوجي، كما رأيت نظرات اللوم والعتاب في أعين الجميع.. "مفيش غير أبو عيال ده؟ دي آخرة المتمة؟ هتشتغليله دادة؟ ربنا يصبرك.." لكني واجهت كل هذه العواصف بابتسامة باردة وتمّ الزواج بهدوء تام، لأجدني أمام مشكلة حقيقية لم تظهر لي الا بعد أن أغلقت عليّ بابي.
حاصرتني نظرات الكراهية من الولدين، فحاولت ملاطفتهما دون فائدة، واكتشفت مدى العناد والطباع الحادة التي تكمن بداخلهما، ووجدتني عدوة لدودة لهما طوال الوقت، حتى اأخل غرفتي وأنفرد بنفسي وألومها على ما فعلته بها، وظلّ زوجي يسعى طوال الوقت ليؤلف قلوبنا، دون فائدة، فلم تفلح الهدايا التي كنت أمطرهما بها، ولم تكن هناك جدوى من المأكولات المتنوعة الجذابة، ولا محاولات اللعب معهما أو الخروج إلى أماكن مفتوحة من باب التغيير، وفوجئت بكمّ الردود الحاضرة والكلمات الجارحة.. "هيه فين شنطة هدومك؟ الباب يفوّت جمل.. سيبينا لوحدنا شوية.. حبة هوا.. انتي إيه؟.. لزقة؟".. وكان زوجي يرى دموعي الصامتة فيمسحها بلطف ويربت على كتفي بحنان، معللا كل هذا بأنهما لم يتجاوزا العشر سنوات، وأقنعت نفسي بذلك رغم مرارة الأيام، وكنت أتساءل عن أمهما وغيابها اللافت للنظر، فعرفت أنها تزوجت وأنجبت من زوجها وشغلتها الحياة تماما عنهما، فرثيت لحالهما، رغم كل ما فعلاه بي، وكنت أحثّ زوجي على ألا يحرم الأم من رؤية طفليها مهما فعلت بهما.. ومرت الأيام الصعبة، وإذا بي أحمل بين أحشائي جنينا أسعدني وجعلني أنسى مرارة الأيام، ولاحظ الولدان ذلك فازداد عنادهما وابتعادهما عني، وسافر زوجي في رحلة عمل، ووجدتني وحدي برفقة الولدين، وقد كبر جنيني وثقلت حركتي، واستيقظت ذات ليلة على صراخ الولد الصغير، فأسرعت إليه ووجدته ارتفعت حرارته، واحتقن وجهه، فبدأت أضع له الكمادات الباردة، وأعطيه كل ما أراه مناسبا من أدوية وإسعافات اولية، وكان أخوه الكبير يساعدني باستماتة، وبدا خائفا مذعورا من أن يفقد أخيه، ومرت أيام ثلاثة عصيبة وأنا لا أنام سهرا على الصغير، وكلي خوف وقلق عليه، وبدأ يتعافى ولكن المشكلة لم تنته، فقد انتقلت العدوى لأخيه الأكبر، والذي كان مرضه أشد وطأة، فاستمرت ليالي السهر، واستمرت رحلة الإسعافات والكمادات، ولكني وسط كل هذا لاحظت شيئا عجيبا أدهشني.. كانت نبرة الصغيرين أقلّ حدة، ونظراتهما أهدأ وألين عريكة وأكثر تفهما، وانتهزت الفرصة فكنت أضحك معهما وأروي لهما قصصا عن طفولتي وشبابي، فاستجابا للضحكات، ووسط كل هذا بدأت أشعر بوخز في حلقي وألم في جسدي كله فعرفت أن الحمى اللعينة قد انتقلت لي، وكان هذا خطيرا عليّ بسبب حملي، وحاولت أن أتماسك دون جدوى وسقطت طريحة الفراش، واستيقظت ليلا على صوت الولدين وهما يتناوبان على تطبيبي ومسح جبيني بالماء البارد، تماما كما فعلت معهما، وتساقطت دموعي من شدة الفرح، وتعافينا جميعا قبل أن يعود زوجي من سفره، ليجدنا أسرة واحدة تتبادل النكات والضحكات، ورغم دهشته وذهوله الا أنني رأيته يسجد لله شكرا، ومرت الأيام والسنين وأنجبت فتاتين كالقمر، وكبر الولدان فأصبحا شابين وسيمين، وها أنا بعد سنوات طويلة من المعاناة والتعب، أجهّز أولهما للزواج وأعدّ له ملابسه ودموعي تتساقط، واعتدت رؤية وجهه وابتسامته كل صباح، وأنا أقدم له إفطاره فيقبل يدي لأمسح بها جبينه بحنان، وتقدّمت في القاعة الكبيرة، وأنا أراه يجلس كالبدر بجوار عروسه، وخطوت بفرحة وعيناي متعلقتان به، فقد أصبح ابنا حقيقيا لي هو وأخوه، ونظرت فإذا بأمه التي أنجبته تقترب هي الأخرى، وتمدّ الخطى نحوه، فتراجعت بذعر واستيقظت على حقيقة مٌرة.. لست أمه ولكني مجرد زوجة لأبيه، وفي لحظة كالحلم، انتشلني صوت الشاب الذي كنت اعتبره طوال الوقت ابني، وهو يغادر "الكوشة" ويمد يده لي دون سواي، ويقول بصوت سمعته أمه التي تركته بإرادتها يوما " فين المصوراتي؟.. تعالى بسرعة يا بني صورني مع أمي".. وضمني إليه، فقبلت رأسه وقبلني، وكانت أجمل صورة احتفظت بها طيلة عمري، لتمسح عني ما ألمّ بي من تعب الأيام.