تديم النظر ناحية الأتوبيس القادم.. إنه هو.. أنت تعرفه تماما..
تسترعى انتباهك كتلة اللحم البارزة من الباب الخلفى..
تنتابك بدايات دهشة التصرف فى مثل تلك الحالات التى تتكرر كثيرا فى اليوم الواحد..
تجرى..
تسرع فى جريك..
تمد رأسك من خلال فرجة انفتحت فجأة بين راكبين على السلم..
تدفع يدك اليمنى وتحاول إمساك العمود الرأسى المدقوق على أرضية الأتوبيس وتشد جسدك للداخل..
تتسع الفرجة ويمكنك من خلال الثقب الحادث بين الرجلين أن تقفز بلحمك وشحمك المتحفز حتى أعلى السلم..
تقابلك على الفور الروائح النفاذة المنبعثة من تحت آباط الركاب فتدمع عينيك وتكز على أسنانك فى ألم ظاهر تشهده أنت بنفسك فقط..
تقف مكانك مثل تمثال مشدود من أعضائه..
تحاول أن ترى فلا ترى أمامك أكثر من حجم وجهك المنضغط من جهاته الثلاث..
تعود أنفاسك التى تلفظها فتتنفسها من جديد وتشعر بانضغاط متزايد على قفصك الصدرى وتتذكر أن اليوم هو بداية العام الدراسى وأن هذا هو قدرك من الآن..
تحاول مستميتا دفع جسدك المتصلب للأمام بين كتلة اللحم المتماسكة التى تتصاعد منها روائح متضاربة تضرب أنفك بقوة وتلكز أعضاءك الداخلية وتشيع فيها الاضطراب..
تأتيك الفرصة على طبق من ذهب.. تنفرج كتلة اللحم..
تدفع جسدك مجددا للأمام وتمنى نفسك بالوقوف قريبا من شباك فى المحطة المقبلة عندما يلفظ الأتوبيس من أحشائه بضعا من قطع اللحوم المهضومة!!
تغيب عن العالم من حولك فلا تعرف أين أنت وكأنك فى بطن حوت غاطس فى محيط..
تحاول الإمساك بالعمود المعدنى الأفقى فوق رأسك فلا تجد مكانا ليدك بين الأيدى الممصوصة السابحة فى العرق والتى تتعارك على مساحة بحجم الكف!!
يتصايح الركاب حولك بصوت عال.. يتشاتمون.. يضربون بعضهم بعضا.. وأنت.. أنت.. لا تكاد تشعر أو تحس أو تشارك فيما يحدث حولك فى تابوتك اللحمى الذى بدأ يضيق أكثر حول جسدك المنضغط بشدة!
تحاول رفع وجهك لأعلى فلا تجد إلا السقف المغلق عليك!
تحاول لف جسدك علك تعرف أين أنت بالضبط فتفشل ويعتريك إحساس بأنك ما زلت مسجونا فى بطن حوت من زمن بعيد!!
يتحرك الأتوبيس إلى الأمام.. يبدأ محطة.. ينتهى عند محطة أخرى.. وأنت.. أنت ساكن فى بطنه تمنى نفسك من جديد بأنه فى محطة التحرير المقبلة بعد قليل سوف يلفظ بعضا من كتلته اللحمية وتأتيك الفرصة التى تحلم بها وتقف بجانب شباك مفتوح على نور الشارع، بعدها تأكيدا سيكون لك موقع على الخريطة ترى من خلاله ما يدور حولك بوضوح!!