بالفيديو| هنا نجع جبران.. الحياة «برّه الدنيا»

كتب: أسامة خالد وعبدالله مشالى

بالفيديو| هنا نجع جبران.. الحياة «برّه الدنيا»

بالفيديو| هنا نجع جبران.. الحياة «برّه الدنيا»

بمجرد أن تدخل القرية تشعر أنك داخل «فيلم قديم» من أفلام الأبيض والأسود.. مع غروب الشمس تنسحب كل الألوان من القرية البسيطة ويتبقى لون واحد فقط، هو الأسود تتخلله ظلال لأجساد أبناء القرية الواهية، تشكلت وتسربت من بين أضواء خافتة لبطارية يدوية يحملها أحدهم ليبدد بها ظلمة الليل.. هنا نجع جبران، حيث لا كهرباء ولا خدمات ولا حياة. على مسافة 35 كيلومتراً شمال شرق مدينة أسوان يعيش 2000 مواطن هم تعداد أهالى نجع جبران، بلا أى خدمات، وتمر بجانبهم خطوط الكهرباء الواصلة إلى قرية بلانة مركز نصر النوبة، لكنها أبداً لم تدخل إلى بيوت النجع الذى ملّ أهله الشكوى لكل المسئولين.[FirstQuote] «انبحّ صوتنا وتذللنا لكل المحافظين وكل المسئولين لتدخل الكهرباء القرية ولكنهم كلهم كاذبون، وعدونا كثيراً، وفى كل مرة ننتظر تنفيذ وعودهم لكنهم أبداً لم يصدقوا معنا» قال الشيخ نصر منفعلاً. صمت الرجل الكبير الذى تجاوزت سنوات عمره السبعين عاماً، ثم نظر إلينا متسائلاً: «تفتكروا هيعملوا حاجة المرة دى»، وصمت ناظراً إلى الفراغ المحيط بكل شىء هنا فى نجع جبران، و«جبران» هو جد أبناء النجع المنتمين إلى عائلة واحدة تنحدر أصولها من قبيلة العبابدة، وهى من أكبر القبائل العربية فى أسوان، نزح إلى تلك البقعة منذ عشرات السنوات، وبنى بيتا ما زال موجوداً من الطين اللبن حتى الآن.[SecondQuote] بُنيت بيوت النجع كلها من الحجارة المنحوتة من الجبل المحيط بالقرية والطوب اللبن إلا مسجد القرية المبنى من الطوب الأحمر «بنيناه مثل مساجد المدينة ودهنّاه بالألوان نفسها ووضعنا فيه لمبات ومراوح وجهزناه بكل التجهيزات، انتظاراً لوصول الكهرباء لكنها لم تأتِ»، قال حسن حسين جبران أحد أبناء القرية. وأضاف «وعندما فقدنا الأمل أحضرنا بطارية سيارة حتى نستطيع تشغيل الميكروفون فى الأذان فقط، وكل يومين يذهب أحد أبناء القرية إلى قرية مجاورة، حاملاً معه البطارية ليشحنها» صمت لبرهة وملامح الغضب تكسو وجهه الأسمر المنحوت مثل نحت جبال المنطقة، وقال: «حتى إمام المسجد استخسروه فينا، طالبنا الأوقاف بإمام للمسجد وقدمنا طلباً لضم المسجد للوزارة، لكنهم رفضوا، فلا المسجد انضم ولا الإمام أتى، وكل جمعة نستأجر إماماً ليخطب بنا ويصلى صلاة الجماعة ندفع له 100 جنيه و50 أخرى للسيارة التى تنقله إلى القرية».[ThirdQuote] ارتفع أذان المغرب من ميكروفون المسجد، أدينا الصلاة فى الظلام، وخرجت أتحسس طريقى بحثاً عن حذائى الذى تركته على باب المسجد، كان الليل قد أسدل جناحه، وعمّ الظلام المكان، تخبطت فى طريقى مرتين، كدت أسقط على الأرضى، ساعدنى شاب صغير قوى البنية «إحنا متعودين على الظلام نعيش فيه منذ وُلدنا لكن أنتم ما تعرفوش تمشوا فيه» أخرج من جيبه بطارية صغيرة أنار بها طريقى.[SecondImage] «هنا لا يوجد خريجو جامعات ولا تعليم عالٍ ولا موظفو حكومة، ولا تأتى لنا مواصلات، ولا يوجد عندنا وحدة صحية، ولا مدارس، وأقرب مدرسة موجودة فى قرية «توماس وعافية» تبعد عنا 6 كيلومترات»، قال أحمد واصفاً حال قريته المحرومة من كل شىء تقريباً، «نحن لا نعرف شيئاً عن أى شىء، نحن هنا معزولون عن العالم، تأتى إلينا الأخبار متأخرة يوماً أو يومين وأحياناً لا تأتى، صحيح بعض أبناء القرية يملكون راديو نتجمع حوله أحياناً، ولكن ليس بانتظام، هل تعرف أننا عرفنا بقيام ثورة يناير بالصدفة، كانت زوجة أحد أبناء القرية تلد فى مستشفى المركز، ووقعت الثورة، فلما عاد حكى لنا». تركت «أحمد» المجند بالقوات المسلحة، الذى تفاجأ عندما التحق بالجيش بأشياء بدت لزملائه عادية، لكنها بالنسبة له كانت جديدة عليه، ومنها التليفزيون مثلاً، كما قال «لم أكن أعرف التليفزيون ولا الثلاجة ولا تلك الأشياء الأخرى التى تعيشون أنتم عليها فلم أجد هذه الأشياء فى قريتى وتفاجأت بها عندما دخلت الجيش، وقتها ضحك على زملائى ووصفونى بالجاهل، وماذا أفعل فهذه الأشياء التكنولوجية لم تدخل عندنا بعد، حتى المحمول جاء لنا متأخراً وهو يمثل مشكلة هو الآخر، لأنه لا توجد لدينا كهرباء وكل واحد عنده تليفون يشترى له بطاريتين، وكل يومين ناخد البطاريات الفارغة عند أصدقاء لنا فى القرية المجاورة ونشحنها حتى نستطيع أن نتواصل مع الآخرين». فى طرقات القرية كان المشهد غريباً، أسرّة فى كل مكان موضوع عليها قماش رقيق شفاف «ناموسية»، وأسرة أخرى مشابهة فوق جبل عالٍ مرصوصة بجوار بعضها البعض «جيوش الناموس تهاجمنا مع حرارة الجو العالية ولا نستطيع مواجهتها، ليالينا تصبح عذاباً من هجمات الناموس والحر، لذا ننام فى الخلاء داخل تلك الناموسية»، قال حسن جبران عندما لاحظ دهشتى من شكل الأسرة فى الطرقات. وأضاف «ابتلينا بهجمات من جيوش الناموس وهى لا ترحم ودرجات الحرارة المرتفعة جداً فى منطقتنا جعلت من المستحيل النوم داخل الحجرات، لذا ننام كلنا خارج البيوت وبعضنا وضع أسرته فوق تبة عالية بحثاً عن نسمة هواء ليلية»، صمت قليلاً وأضاف: «حتى النوم الهادئ محرومون منه بسبب الحر والناموس وهناك ترتيبات خاصة بالنسبة للسيدات فهن ينامن فى الوسط والأطفال على الحافة لحمايتهن من أى نظرة، فهن أيضاً ينامن فى الخارج مثلنا». وأضاف «وعندما فشلنا فى احتمال الناموس لجأنا إلى مجلس المدينة نطالب بسيارات رش الحشرات، فقالوا الكلمة الشهيرة لا توجد ميزانية، عرضنا أن نجمع من القرية تكلفة جراكن المبيدات، ونسلمها لهم، لكن طالبونا بتكلفة تانك كامل لا نقدر عليه، خصوصاً أن كل أبناء القرية من العمال الزراعيين فى أراضى القرى المجاورة، هنا لا نملك أراضى زراعية وكل أبناء القرية إما يعملون فى أراضى الغير وإما فى رعى الأغنام». أسفل عريشة من جريد النخل كان مولد كهربائى قديم مغطى بعناية بعد أن فشلت محاولات أبناء القرية فى شراء الكهرباء على نفقتهم المحدودة وتحطمت محاولتهم على صخرة المولد الصينى الذى اشتراه أحدهم لينير بيته، لكنه سرعان ما تعطل، قال حسن: «فكرنا نشترى مولداً كبيراً لبيوتنا لكن تكلفته كانت عالية وفوق مستوى إمكانياتنا المادية، أغلب الناس هنا رعاة أغنام وأجراء بالأرض».[ThirdImage] جرى «محمد» الطفل البالغ من العمر 8 سنوات، وأزاح طبقاً كبيراً وُضع تحت زير الماء وأخرج منه علبة دواء أخذها وجرى نحو جده الجالس على مصطبة بُنيت من الطوب اللبن: «حرارة الجو العالية تفسد كل شىء يا ولدى»، قال الشيخ ناصر: لذلك نتحايل عليها، وأصعب المشكلات التى تواجهنا هى الحفاظ على الأدوية من التلف نتيجة ارتفاع درجات الحرارة، ونحن لا نملك ثلاجات للحفاظ عليها، لذا نلفها فى أكياس بلاستيكية، ونضعها تحت الزير، فتتساقط عليها قطرات مياه باردة من الزير تحافظ عليها من التلف، الشىء نفسه نفعله مع المياه، نلفها فى ملابس قديمة مبللة ونتركها تحت الزير». فاجأنى «جمعة» ذو الأربعين عاماً متسائلاً: «هو مين رئيس مصر دلوقتى؟»، نظرت إليه باستغراب، وقلت «عبدالفتاح السيسى»، نظر نحوى، وقال بسذاجة: «وده مين ده؟». قلت له «انت ما تعرفوش»، قال «لأ إحنا هنا ماعندناش تليفزيون ومفيش أى وسيلة نعرف بها اللى بيحصل؟»، وتابع «إحنا هنا مانعرفش حاجة، وساعات بنعرف اللى بيحصل فى البلد بعد أيام، وبتكون مشكلة لنا، خاصة أولادنا، لما بيروحوا المدرسة، والأولاد هناك بيسخروا منهم، لأنهم لا يعرفون أى شىء عن الأحداث اللى بتحصل فى البلد». سألته «إنت رحت انتخابات؟» فقال «عمرى ما انتخبت ولا أعرف إزاى يعنى ينتخبوا، بس هنا فى القرية بيروحوا، لكن أنا لا». صمت قليلاً، وقال هامساً «يعنى احنا أخدنا إيه من الحكومة، لا كهرباء، ولا تعليم، ولا وظائف، ولا حياة، إحنا هنا بره الدنيا، لا حد شايفنا ولا سامعنا».