زوجي وسباق المسلسلات

كتب: منال عزام

زوجي وسباق المسلسلات

زوجي وسباق المسلسلات

علاقتي بزوجي تكون على ما يُرام طوال السنة حتى يأتي شهر رمضان، ومن المفترض أن يزيد رمضان من الروحانيات والصلوات والحب في الله والتفاؤل والأمل والذكر والابتهال والعمل، ولكن رمضان هذه الأيام أصبح، لشديد الأسف، شهر الخلافات الزوجية والازدواج في الشخصية والتنافر والتقاطع والتناحر، ولا أخشى على زوجي أبدًا في رمضان إلا من متابعته المحمومة للمسلسلات وبرامج الفنانات وسباق الحسناوات وتفاخر الجميلات وخد وهات. ما إن يبدأ الإعلان عن المسلسلات المزعومة، فتبث عرضها الذي يشيب له الولدان حتى يقف شعر رأسي هولا وتستيقظ لدي كل قرون الاستشعار وأحوّل نظري تلقائيا نحو زوجي الذي يتمسّك وقتها بالريموت كنترول، كما يتمسّك بحياته نفسها، وعيناه لا تتحولان عن شاشة التلفاز وهو يقلّب بين القنوات تماما كما لو كان يبحث عن كنز ثمين أو مصباح علاء الدين أو مغارة علي بابا وابتسامته تكاد تصل لأذنيه أما لهفته التي تظهر على وجهه فلم أستشعرها حتى في يوم عرسنا التليد وأنا أجلس بجواره يأكلني الغيظ لأقشر البصل أو الثوم أو البطاطس أو أصابعي إن لزم الأمر، وهو يهتف حينما يرى بطلة المسلسل الفارعة الطول والتي يمتد شعرها أمتارًا ورموشها لتصل للسقف: "دي صاروخ"، أو يتابع بشغف أخبار فنانة أخرى وهي تقفز بقدرة قادر من فوق جبل أو تركب دراجة بخارية أو تقوم بعمليات انتحارية فيهتف بذهول حقيقي: " يخرب بيتها، مدهشة "، أو ينتقل بسرعة بحثا عن برنامج المذيعة الحسناء صارخة الجمال، والتي تضع نصف كيلو من الأصباغ على وجهها وهي تستضيف هذا وتستعرض قدراتها أمام ذاك وتمسح بكرامة الضيوف الأرض محاكية برنامجًا غربيًا شهيرًا، وزوجي يبدو متفاعلا معها للغاية مصدّقا كل الأفلام التي تقدمها للمشاهدين السذج وهو يهتف بانفعال حقيقي قائلًا: "يا خبر ابيض، رهيبة، بعشر رجالة، شخصيتها فظيعة بنت الإيه ". وهكذا فلا يرى زوجي المصون في يومه سوى هذه الوجوه المفروضة عليّ وعلى أمثالي من المغلوبات على أمرهن فرضًا، فأراقبه بدهشة وهو يصفّق لإحداهن تارة ويلاعب حاجبيه للأخرى تارة ويبكي تأثرًا تارة ويضحك تارات وتارات وأنا بجواره أندب بالتار وأقول "ولا قعدة الراجل ف الدار". ومنذ بدأ سباق المسلسلات المحموم وزوجي يلهث من خلفه بجنون وهو يتابع عددًا لا نهائي من المسلسلات العجيبة بعضها تافه لا قيمة له، والكثير منها للكبار فقط وأنا أحاول حجب أبنائي الصغار عنها ولفت نظر زوجي لخطورة هذه المشاهد على أطفال في مثل هذه السن وهو يضع أمامه حفنة من المكسرات يزجها في فمه تباعًا مسليًا نفسه، فلا يكلّف نفسه عناء النظر إليّ ليقول بعدها بلا مبالاة "دخليهم جوه، خليهم يناموا، مش هيفهموا حاجة، افتحيلهم الكرتون، سيبيني دلوقتي عشان دا أهم مشهد ف المسلسل"، ولا حياة لمن تنادي فأنا مضطرة لرؤية هذه الوجوه كل يوم ومتابعة المشاهد رغم أنفي للسيطرة على أولادي، "ومن بطلة المسلسل دهو لبطلة البرنامج ديكهو .. لا تحزن يا قلبي".