بطفولتها البريئة، جلست أمامها، تسوى شعرها القصير، ساعات طويلة تصمت الصغيرة من شدة الوجع فتصرخ كعادتها: «كفاية يا ماما، راسى وجعتنى وشعرى بقى حلو»، وسط شقيقها الكبير ووالدتها التى أخذت من ملامحها الكثير، وقفت «فاطمة» بجانبهما أمام عدسة أحد مصورى العباسية، كان هذا عام 1974، والتقط لهم صورة تذكارية لم تنسها أبداً طوال حياتها. «فاطمة»، المولودة فى 18 سبتمبر 1964، فى شارع البراد بحى العباسية، كانت من المتميزات فى مدرسة كلية البنات القبطية «مفيش مدرسة أجمل منها، قعدت فيها لحد ثانوى وإحنا كلنا قبطيين، والمسيحى اسمه مسيحى، وطول عمره هيفضل أخونا وحبهم لينا لا يمكن يتغير». تتذكر «فاطمة» بداية علاقتها بالأقباط منذ طفولتها: «طول عمرنا عايشين مع بعض ولا عمر أى حاجة فرّقتنا، والدى على قد ما سابنى وأنا لسه عندى 6 سنين بس فاكرة كويس جداً أنه من الشخصيات المتفتحة، ومعاملاته المميزة مع جيرانه المسيحيين، وأفتكر جيداً أن والدتى قالت لى إنه خلاها تولدنى على إيد دكتور يهودى على الرغم من أنه كان حافظ القرآن الكريم كله وبيقرأ أنواع كتيرة من الكتب، وهذا يدل على أن زمان الدنيا كانت أفضل وأنقى بكتير من دلوقتى». بدأت «فاطمة» فى محاولة قراءة الكتب الدراسية لشقيقها «صبرى» الأكبر بثلاثة أعوام: «زمان دخلونى أولى ابتدائى وأنا صغيرة عندى 4 سنين، فكنت باحاول أفك الخط وأشوف الصور فى كتب أخويا أحاول أقرأ اللى جنبها ماعرفش، وبابا أول ما ألاقيه بيقرأ كتاب أفضل قاعدة جنبه وأسمعه»، ولما كبرت شوية وبقى عندى 6 سنين بقيت أحاول أقرأ مجلة «ميكى» لوحدى وماما كانت دايماً تخبيها منى عشان تذاكرلى كتب الدراسة». منذ أن كانت صغيرة وحتى شبابها فى جامعة عين شمس، كانت «فاطمة» تخبئ الكتب داخل كتبها الدراسية حتى لا تراها والدتها: «أمى كانت شديدة جداً معايا أنا وأخويا ومنعتنى كتير من القراءة إلا كتب الدراسة بس، لدرجة أنها كانت بتوعدنى أن أول ما تيجى الأجازة هتسيبنى أقرا وتيجى الإجازة تحطلنا كتب الدراسة للسنة الجديدة على مكتبنا، عشان عايزانا ندخل جامعات قمة ودخلت هندسة علشانها». حين تتأمل «فاطمة» صورتها تلك، تتذكر كم المعاناة التى دخلتها فى أعتاب محاولاتها لقراءة الكتب: «كانت أول ما ماما تنام أنزل تحت السرير بالأبجورة عشان أقرا كتاب، وماما تقفشنى لما تصحى وتلاقينى نايمة على الكتاب وتاخده منى وماشوفوش بعدها أبداً». حب فاطمة ناعوت للقراءة وراثة عن والدها وجدها الكفيف الذى ساعدها كثيراً فى تنمية قراءتها فى هذا الوقت، «كان بيخلينى أقراله دايماً وكنت بابقى مبسوطة جداً على الرغم من إنى كنت لغوياً لسه مش باعرف أقرا كويس، وهو كان بيتحملنى عشان بيعشق القراءة، وكبرت وبقيت دودة قراءة وبدأت أكتب ووصلت لحلمى اللى مخلينى منعزلة عن العالم».