حينما اقترح طفلي الصغير أن يكون إفطار أول يوم في رمضان هو السمك بجميع أنواعه، حدث هذا بعد مطالعته أحد برامج الطبخ وهي تستعرض الجمبري والكابوريا والإستاكوزا، وتشبها بأغنية أحمد زكي الشهيرة (أز أز كابوريا وأنا في اللابوريا).
وجدت طفلي يلح علي ويتوسل أن يذوق تلك الكابوريا، ولأن أسعار تلك الأصناف خيالية، لذلك اقترح زوجي أن أشترى السمك من سوق العبور من طلعة الفجر، نظرًا لرخص أسعاره، ونصحني بشراء كميات كبيرة وتخزينها بالفريزر.
أعجبتني الفكرة، و شديت الحزام ونزلت سوق العبور للسمك، فوجدت مزادات لمختلف الأسماك التي لا يمكن أن تخطر على بالي المتواضع.. تعالت أصوات التجار بعرض بضاعتهم ووقفت مدهوشة ومنبهرة من تلك المزادات الصباحية المبكرة، واشتريت كل ما لذ وطاب من الأسماك وأنفقت كل ما معي، ولا أخفيكم سرًا، شعوري بالسعادة الغامرة، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه (كما قالت حماتي العزيزة!).
ظللت أنتظر تاكسي حتى أصل لبيتي قبل آذان العصر، للحاق بتجهيز الفطور من صينية سمك دسمة، ظللت تحت شمس النهار الحارقة أنتظر، وأشعر بذوبان الثلج على السمك، حتى تطوع أحدهم وأعطاني لوح ثلج قسمته بيني وبين صندوق السمك الذي أحمله، ووضعت الثلج في إيشارب ووضعته كضمادة على رأسي بعد أن ولع من الشمس.
امتدت ساعات الانتظار إلى 5 ساعات، حتى أكرمني الله بتاكسي هزيل قبل على مضض توصيلي، وآذان المغرب أوشك تمامًا.. رائحة السمك تملأ التاكسي، نظر لي السائق في تأفف واستنكارًا، قائلًا:
- سمك ؟! أول يوم رمضان!!
- فى خجل قلت: الواد الصغير ابني نفسه فيه.
لم يعقب وأشعل بخورًا رخيص الثمن، وهو يتلفظ ببعض الألفاظ التي تدل على تبرمه وضيقه الشديد، ولما وصلت للبيت وجدت ثورة تنتظرني، وقد اشتروا أكلًا جاهزًا ولم يهتم واحد منهم بالسؤال عن مصيري.. وصغيري يتجه نحو السمك، ليطمئن عليه وقد أحضر إناءً كبيرًا به ماء، حتى يتمكن من تربيته وصرح لي بلوم طفولي أنه كان يريد سمكًا طازجًا (يلعب) ليربيه بطريقته!.