«الوطن» تسجل شهادات الرعب من سكان شارع الموت

«الوطن» تسجل شهادات الرعب من سكان شارع الموت

«الوطن» تسجل شهادات الرعب من سكان شارع الموت

محمود محمد خلف، شاب فى العشرين من عمره.. اهتز لسماع صوت التفجير، أسرع لمساعدة المصابين والجرحى، حاول أن يساعد أحدهم فى النهوض اقترب من شخص ملقى على ظهره حاول أن يتعرف على شخصه.. أدار وجهه وكانت المفاجأة.. الجثة لوالده «الحاج» محمد، وقد فاضت روحه إلى بارئها، لينهار بجوارها ويبدأ فى الصراخ.. فى ضاحية السلام.. رائحة دماء الأطفال والبارود ودخان كثيف أسود هى التى تغطى على كل روائح الفواكه التى تحيط بالمكان من كل جانب، الأشلاء فقط تملأ أرضية الشارع وسط انسياب الدماء المختلطة ببنزين السيارات المهشمة على رصيف السوق الذى يقع بالقرب من مبنى مديرية أمن شمال سيناء.. شهادات الرعب على لسان أهل الشارع والمقيمين فيه يرصدها هذا الموضوع. يقول محمود رشدى، الذى يقف بالقرب من إحدى سيارات الأجرة، وقد فاضت عيناه بالدمع من فرط الرهبة، ويرفض مصافحة أصدقائه وجيرانه فى الحى، لأن يديه ما زالتا ملطختين بدماء الجرحى والمصابين الذين نقلهم فى سيارته: «فى البداية سمعنا صوت ثلاثة انفجارات، ولا ندرى إذا كانت أصوات انفجارات أم أصوات قنابل ضوء حتى رأينا دخاناً يتصاعد وصراخ ناس عند سوبر ماركت الخير»، يسمع الجميع صوت محمود المبحوح من البكاء، وهو يروى لـ«الوطن» ما حدث، فيلتفون حوله، يحاولون تهدئته، ولكن هو يستكمل ممتعضاً: «شفت سيارة بتجرى بسرعة بس ماقدرش أقول ليها علاقة بالحادث، ظنيت فى الأول إن ليها علاقة فجريت وراها بس من الواضح إنه حد كان بيجرى من الخوف». لم يكن يتوقع «محمود» أن يكون الحادث إرهابياً وظن أنه مجرد انفجار أنبوبة، ولكن بعيداً عن كل ذلك سارع على الفور وجاء بسيارته، ليساعد فى نقل المصابين فيها، الذين يقدر عددهم حينها بنحو 20 ما بين جريح ومصاب وقتيل: «رأيت حوالى عشرين حد مرمى على الأرض، والناس تصرخ من هلع المشهد»، وفيما ينقل هو وبعض أهل المنطقة المصابين لسيارته وجد إلى جواره أحد أصدقائه وجيرانه محمد خلف، وصديقاً آخر يدعى حمادة ماهر، فانهار وأخذ فى البكاء ولكن لم يمنعه ذلك عن نقل المصابين: «طفلة كان وشها غرقان دم عندها 15 سنة، وطفل ست سنوات كان مصاب فى رجله ولكن وشه كان مليان دم، وصاحب الصيدلية كان مصاب فى رقبته»، يصمت ملياً ثم يعود ويقول: «الحمد لله إننا نقلنا المصابين ورحم الله كل اللى ماتوا». بجلباب أبيض ولحية كثيفة يقف شاب يدعى أحمد عبدالعزيز، كان، حسب روايته، أحد الذين شاهدوا القذيفة قبل أن تصيب الضحايا، حيث كان موجوداً بالقرب من موقع الانفجار: «رأيت جسماً غريباً يطير فى السماء يلاحقه دخان، قادماً من ناحية حى الكرامة ليستقر داخل السوق التجارى بالحى، يتبعه انفجار قوى ودخان كثيف وأصوات صراخ».[SecondImage] توجه «عبدالعزيز» إلى موقع الانفجار، بعدما سمع أنين الجرحى والمصابين، ولكن لم يتمكن من رؤيتهم فى بداية الأمر من كثافة الدخان والغبار الناجم عن الانفجار والظلام الذى حل على المكان: «بدأت الصورة فى الوضوح أمام عينى شيئاً فشيئاً لأرى جثثاً مرمية على الطريق وأعضاء متناثرة، وجثة قد خرجت أمعاؤها من ظهرها وطفلة خرج مخها من رأسها»، يصف بشاعة الموقع ولا يستطيع أن يستكمل السرد بعينين مفتوحتين ولكن يغمضهما ولو كان يراها على التو وليس يرويها: «المشهد عبارة عن أربع جثث مرمية فى سوبر ماركت أبوالخير، وجثتين فى الصيدلية، وجثة رجل عجوز فى وسط الشارع، بالإضافة إلى أن أحد عمال سوبر ماركت الخير تم بتر قدمه». «عبدالعزيز»، الذى يكمل كلامه بعدما تمتم بالدعاء للمتوفين، توجه لشرفة منزله تاركاً مباراة نهائى كأس العالم حين سمع دوى مرور القذيفة الأولى، ليشاهد ما تلاها من قذائف على مرمى البصر والدخان يخرج عن مؤخرتها، ويتجه مسرعاً للسوق ويساعد فى نقل المصابين، اضطر لحمل أصدقائه وجيرانه على يديه لينقلهم لعربة الإسعاف وقد فاضت أرواحهم لبارئها «عم خلف وفرافيرو وطفل جارنا مكملش عشر سنين».[ThirdImage] وعلى مقربة من موقع الحادث الذى يقع على مبعدة من مبنى محافظة شمال سيناء، والمحكمة، ومديرية الأمن، انحنى «محمود سند»، شاب فى بداية العقد الثالث من العمر، على إطارات سيارته، ينظفها حتى انتفض من شدة الهلع إثر الانفجار، ولكنه توقع أن يكون عملاً إرهابياً استهدف مبنى المحافظة أو مديرية الأمن القريبة من منزله، ولكن عويل النساء، وآهات الجرحى التى انطلقت من موقع الحادث، الذى لا يفصله عن منزله سوى شارع دفعه للتوجه على الفور: «رحت لقيت الأشلاء فى كل مكان أمام سوبر ماركت الخير وصيدلية أنس»، وقدر عدد المصابين والقتلى حينها بالعشرات، وضع يده على رأسه وتمعن فى المنظر من شدة الخوف، ووقف وسط الجموع يشاهد ويتابع الحادث: «عربية الإسعاف جت بعد ربع ساعة تقريباً بس كانوا الناس نقلوا المصابين وماكنش باقى غير جثمانين وأشلاء وقدم سيدة وبقايا رأس طفل مزقته القذيفة». إسلام بكير، شقيق محمد أيمن بكير، الذى استشهد فى الانفجار، كان يصرخ قائلاً: ياريت ما نزلت الشغل ياريت أنا اللى مت ولا كان شقيقى.. اقتربت منه فقال لى: أنا رحت الشغل اليوم مكانه ياريتنى قعدت فى البيت.. مات شقيقى بدون ذنب. وأضاف: «أنا أتولدت هنا فى الضاحية أنا وشقيقى الشهيد يدرس فى كلية الزراعة (تعليم مفتوح) كان ذاهب ليشترى السحور للأسرة فكان بجانب السوبر ماركت الذى سقط فيه الصاروخ وتناثرت أشلاء جسده فى كل مكان»، ويكمل صارخاً: «حرام اللى بيحصل إحنا ذنبنا إيه ليه أخويا يموت، كان يتمنى أن يحصل على مؤهل عال حتى يتحصل على وظيفة محترمة يارب ارحمنا». وتضيف «أم سيد»: المكان كان مزدحماً بالناس؛ عشرات المصلين خرجوا لتوهم من مسجد شعث بعد انتهاء صلاة التراويح والناس خارجة من المسجد والعشرات يتسوقون من سوق الخضار السوق الكبير للضاحية وآخرون كانوا فى طريقهم لمشاهدة نهائى كأس العالم والبعض يشترى السحور من سوبر ماركت الخير.. يتدخل فى الحديث الشاب «ماجد»: لقد قمت بحمل الجثث فى سيارات الإسعاف.. المشهد كان غاية فى الصعوبة؛ الجثث متناثرة على باب الصيدلية والسوبر ماركت وإحدى الجثث ممزقة أشلاء داخل السوبر ماركت.. كانت المصيبة كبيرة على أهل ضاحية السلام، لقد كان الانفجار شديداً وعنيفاً استمعنا له ونحن داخل منازلنا، نزلنا إلى الشارع، كان المشهد مؤلماً، الدماء تسيل فى الشارع وكأننا فى العراق أو غزة، مشهد لم نتعود عليه، إنه الإرهاب الذى أراد أن يقول لنا لن نفرق بين أحد. ويكمل «ماجد»: بعد سقوط الصاروخ حدثت بلبلة كانت الأشلاء تتطاير والصراخ والعويل يملآن المكان، البعض لم يصب وهرب إلى الخلف، وأسرع الناس بعد وقت قصير لإنقاذ المصابين ووصلت سيارات الإسعاف بعد نصف ساعة كانت عملية الإنقاذ بالغة الصعوبة من هول المصيبة وكثرة عدد الضحايا. وتقول «أم حسين»، من أبناء المنطقة: «كنت أصلى صلاة التهجد بمسجد المطافى على بعد 100 متر من مكان الحادث، وسمعت دوى انفجار عنيف ونحن نصلى، اهتز له المسجد وتحطمت نوافذه.. خرجنا فسمعنا صراخاً وعويلاً يصدران من شرفات المنازل، فعلمنا أن انفجاراً وقع فى الضاحية، توجهت إلى المكان، فشاهدت عشرات الجثث متناثرة فى الشارع». وتضيف: «الأطفال الصغيرين ذنبهم إيه عشان يموتوا؟.. ذنبها إيه الطفلة نهال (تقصد الطفلة نهال محمد محمد البالغة من العمر 10 أعوام) ولّا يحيى (تقصد الطفل يحيى أحمد محمود البالغ من العمر 12 عاماً) ذنبها إيه سلمى، العيلة الصغيرة تتصاب وتخش المستشفى فى حالة خطيرة (تقصد الطفلة سلمى سعيد أبوسعيد البالغة من العمر 11 سنة)»، وتساءلت: «عمل لهم إيه عيل زى عصام ولّا محمود ولّا أميرة ولا أحمد.. اللى عنده 11 سنة (تقصد الطفل أحمد حسام حسن، 10 أعوام، الذى أصيب بشظايا متفرقة بالبطن) وأميرة حسام حسن (17 عاماً)، وأصيبت بشظايا متفرقة بالفخذ والحوض وكسر بالساق الأيمن، وأحمد عصام المطرى (13 عاماً)، وأصيب بشظايا بالساق اليمنى، ومحمود أشرف أحمد الخبير (17 عاماً) وأصيب بشظايا بالرأس».