في العالم الافتراضي يصبح كل شيء قابلا للتحقيق، وتصبح الثورات التي عجزت أن تحقق مطالبها على أرض الواقع، ماردا قويا قادرا على تحطيم كل القيود وتحقيق الانتصارات واحدا تلو الآخر، حتى وإن كان هذا الانتصار لا يتضمن خلع رئيس أو عزل آخر، ولا يشمل رفع شعارات العيش والكرامة والعدالة، يكفي فقط أن يعتذر مذيع عما تلفظ به في حق شعب أو دولة شقيقة، ويكفي أن يعترف مسؤول حكومي بأنه أخطأ حين تحدث في موضوع لم يكن يلم بكل تفاصيله، في العالم الافتراضي إنجازات الثورة ليست افتراضية.
اعتذار أماني الخياط مذيعة قناة "أون تي في" مؤخرا لشعب المغرب بعد سلسلة من الاتهامات والسب وجهته للمغرب، وذلك بعد معركة أدارتها بنجاح مواقع التواصل الاجتماعي أعاد للذاكرة مشهد اعتذار جابر نصار رئيس جامعة القاهرة، عما قاله في حق الفتاة المتحرش بها في الحرم الجامعي، وكذلك اعتذار الإعلامي تامر أمين عن حديثه في ذات السياق.
الانتصارات الصغيرة على مواقع التواصل لم تقف عند حد اعتذار المذيعين في قضايا التحرش والعلاقات مع الدول العربية، ولكنها شملت كذلك اعتذارات كتاب صحفيين عن مقالاتهم ورسامي كاريكاتير عن رسوماتهم العنصرية، وهو ما اعتبره خالد عبد الحميد أحد نشطاء ثورة يناير، جزءا من ثقافة مختلفة كانت الثورة سببا في ترسيخها داخل المجتمع المصري ألا وهي "ثقافة الاعتذار" مضيفا: "قبل ثورة يناير ماكنش فيه حد بيعتذر عن خطأ مهما كانت درجة جسامته، وما حدث من تشويه في العلاقات المصرية الجزائرية؛ بسبب ماتش كورة ببعيد، وقتها لم يفكر أحد ممن شوهوا تلك العلاقة أن يعتذروا.
"النجاحات الصغيرة" كما يسميها "عبد الحميد" تؤكدها الدكتورة هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الزقازيق، مؤكدة أنه بعد ثورتين مرا على مصر لم يعد هناك مجالا للخطأ في حق هذا الشعب وأن من يخطئ عليه أن يدفع فاتورة خطأه "الشعب الذي أطاح بنظامين ليس لديه أدنى مشكلة في الإطاحة بمذيع أو رئيس جامعة أو كاتب مقال أخطأ في حقه".