جالساً إلى جوار سيارته بشارع قصر العينى، حيث المربع الذى لا يعرف الهدوء ولا التنظيم، تتجسد معاناته اليومية فى هذا الشارع، يذهب إلى هناك يومياً بحكم عمله سائقاً فى وزارة التموين، حتى فى إجازاته، يأتى إلى الشارع لتخليص أوراق فى عدد من الوزارات والمصالح الحكومية، تصادف منذ سنوات وجودها فيما عرف باسم «مربع الوزارات».
جيل وراء جيل، والمربع لا يتغير، وزحامه لا يقل، والشكوى منه تزيد، أجيال سلمت أخرى، وما زالت الأوراق مهملة فى الأدراج والموظفين لم يعودوا قادرين على الإنتاج من الصخب والزحام.
حلم «حامد عبدالسلام» الرجل الأربعينى وغيره من المصريين بخروج كل الوزارات والهيئات والبنوك والسفارات من القاهرة بات من السهل تحقيقه بعد ما قال الدكتور مصطفى مدبولى وزير الإسكان بأنه يخطط لإنشاء العاصمة الإدارية الجديدة، ما دعا «حامد» للتساؤل: «هو إحنا ممكن نبقى زى دبى فى يوم من الأيام؟». يحلم «حامد» بألا يعانى ابنه «يوسف» كما عانى والده ومن قبله جده فى ذلك الروتين الحكومى الذى يقضى على الوقت والعمر معاً: «نفسى ييجى اليوم اللى أشوف فيه الموظف ينجز عمل، إنما ألاقى حد جاى من الصعيد أو الريف لينتهى من مسألة متاخدش غير ثوانى الموظف يخليه يلف حوالين نفسه».
يتذكر «حامد» منذ 5 سنوات أنه استضاف أحد المغتربين عنده فى منزله لمدة ليلة لينتهى من باقى أوراقه ويعود إلى الصعيد: «استضفت راجل مسن عندى، صعب عليّا بعد وقوفه 5 ساعات بيخلص الورق بتاعه، وبعد معاناة ومحايلة على الموظفين راح يدفع دمغة فى الخزينة اللى فى الدور الأرضى بعد ما كان فى الدور السابع مالحقش، والموظف مشى فأخدته يبات عندى لحد ما خلص ورقه، وماسبتوش إلا لما ركب القطر، عشان كده بقول إن مفيش حاجة هتتغير فى العاصمة الجديدة، طالما الموظف المصرى هيفضل على حاله، العيب مش فى المكان، العيب فى الموظف اللى ما بقاش إنسان».