دأبت منذ سنوات على تجميع رصيد إجازاتي لآخذها في رمضان، شهر رمضان بالنسبة لي شهر فريد من نوعه، فلقد كرَّمه الله وخصَّه بالتفرد، لذلك خططت لأكون متفرغة تمامًا له، نهارًا وليلًا.. بالنهار بعيدًا عن صخب العمل والحر الشديد أحضر طعام الإفطار أقرأ ما تيسَّر من القرآن.
هذا العام لم توافق مديرتي إلا على منح إجازتي النصف الأول من شهر رمضان بحجة أن دولاب العمل في رمضان لا يتحمَّل غيابي، بينما بقية زملائي لا يعملون، بل تجدهم إما نائمًا على المكتب وعلا غطيطه وعندما يأتي مواطن لقضاء حاجته وتخليص أوراقه يحيله إلى آخر يتسلى بقراءة الجرائد في مزاج عكر بسبب افتقاده لحبيبته السيجارة، ولا يجد غضاضة في تحويله عليَّ وأنا الغارقة في الأوراق والكشوفات والأذونات، وعندما أضج بالشكوى، يتجاهلونني تمامًا ويبدأون حفلة التزويغ من العمل بحجج واهية وأقع أنا لوحدي في دولاب العمل، لذلك اقترحت على مديرتي تقسيم العمل في رمضان، بشكل ودي، أن تحضر مجموعة منا أسبوعًا بالتناوب مع بقية أسابيع رمضان على أن تضمن التزام الزملاء، بشكل ودي، بمواعيد الحضور والانصراف.
في البداية رحَّبت المديرة بالفكرة لكن سرعان ما غضب الزملاء من حجم العمل وتظاهروا بالتعب والإرهاق، خاصة مع ارتفاع موجة الحر التي تضرب البلاد، ولم أنل سوى خمسة عشرة يومًا فقط إجازة، استمتعت كثيرًا بشهر رمضان بصيامه وقيامه، ودرَّبت نفسي على العمل بالنهار، وظنَّ البعض أنني مفطرة بسبب الحيوية والنشاط التي انتابتني، فلقد قررت عدم التبرم والشكوى والانتهاء من واجباتي بالعمل مبكرًا حتى أتمكن من إعداد طعام الإفطار لأسرتي الصغيرة.