فى 1882، سمح الفرنسى فرديناند ديليسبس لقوات الجيش البريطانى بالوثوب من بحر القنال إلى برِّها، ليباغتوا قوات عرابى، ومنذ ذلك التاريخ تآكلت مفاصل الجيش المصرى، وانحسر فى ثكناته، وتناوبت بعض حكومات مصر خيانته مع سلطات الاحتلال بأن حرموه حق الذود عن التراب المصرى وسلحوه تسليحاً تالفاً أودى بفلسطين إلى نير الاحتلال.
سبعون عاماً مرت، حتى عاد الجيش ثانية، ولكن فى صدارة الصورة، مصحوباً بإرث استعمارى ساعده على كسب تأييد السواد الأعظم من المصريين، الذين باركوا «الحركة المباركة» التى قام بها الجيش فى الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، حينما تمكّن تنظيم سرى فى صفوف الجيش «تنظيم الضباط الأحرار» من مد قبضته من ثكنات فى كبد الصحارى إلى قصر الملكية فى قلب القاهرة، فأجبروا «ملك مصر والسودان» على مغادرة أراضى مملكته، والتنازل عن العرش لوريثه وابنه الملك فؤاد الثانى.
صباح الثالث والعشرين من يوليو، وبينما تتمترس مركبات الجيش على البوابات العالية كى تُجذِّر أقدامها فى قصر عابدين يطوف صوت «السادات» بين حروف البيان الأول للثورة الذى يعلن «قمنا بتطهير أنفسنا وتولى أمرنا داخل الجيش رجال نثق فى قدرتهم وفى خلقهم وفى وطنيتهم»، ويعد بألا تُراق دماء «من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين» ويطالب الشعب «ألا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف».
حرب ناعمة تخللتها بعض الخشونة بين صفّين من الكُتّاب والمؤرخين والساسة والمحللين، شطر يشاطر الجيش ويدعم قراراته، حتى تلك التى نهشت كبد «الإقطاعية» وأعادت توزيع الثروات بين المواطنين بقوة قانونى الإصلاح الزراعى، وشطر يناهض تلك الإجراءات ويرفضها ويرى قادة الجيش، آنذاك، متهورين وغير مدركين لتبعات ما يفعلون. شطر يزيح الستار عن «جاهلية ما قبل الثورة» التى قامرت فيها الأحزاب على الكراسى وسكرت على موائد الاحتلال و«تولى أمر الجيش إما جاهل أو فاسد».. وصنف يرى أن الجيش «أجهض» تجربة تعددية بـ«انقلابه» فى يوليو.
على ما قد يُثار حولها من خلافات وما يظهر فى الرأى من اختلافات؛ فإن شبه إجماع على أن «23 يوليو» أحرزت للوطن انتصارات فى المقدمة منها وضع نقطة صارمة لإنهاء جملة «الحكم الملكى فى مصر»، والحزم فى التعامل مع ملف إنفاذ المعاهدات التى تقضى بجلاء قوات الاحتلال البريطانية، إضافة إلى أهم مكتسبات الثورة التى تمثلت فى إعادة توزيع الحيازات الزراعية وتمليك الفلاحين 5 أفدنة قبل حزمة من القوانين الاشتراكية عمل عبدالناصر، أحد قادة الثورة وقتها على تمريرها. أعادت «23 يوليو» رسم خريطة القوى الفاعلة فى السياسة المصرية، فقطعت الطريق على المجموعة الإقطاعية التى تغذّت من ضرع الملكية، فأممت أملاكهم، وجففت الحبر فى أقلام السياسيين الباشوات والبكوات بدعوى أن تلك الاختلافات انتهت بالمصريين أن «تنازعوا وفشلوا وذهبت ريحهم».