اعتاد فى كل مرة يظهر فيها على شاشات التليفزيون أن يسترسل فى حديثه، ينقل بعضاً من الحقائق، ويتحدث عن مستقبل الوطن وأوضاعه الحالية، لكنها المرة الأولى التى يخرج فيها الفريق ووزير الدفاع، وقتها، عبدالفتاح السيسى على الجميع ليطلب منهم طلباً، على غير عادته، يقولها صراحة فى أكثر خطاباته مكاشفة، بأنه يطلب من الجميع النزول فى يوم الجمعة الموافق 26 يوليو، ليمنحوه تفويضاً لمواجهة العنف والإرهاب المحتمل.
لم يكد الفريق السيسى ينطق بكلماته مساء يوم الأربعاء 24 يوليو 2013، حتى اشتعلت الشوارع فى مصر، الغالبية تتحمس لتلبية مطلب الرجل الذى يرون فيه مخلصهم من حكم الإخوان، والأقلية التى تتمسك بعودة «معزولها» إلى الحكم، يرفضون التفويض، ويتهمون من أطلق الدعوة بالعمل على تقسيم الوطن، ويرمون من يلبى الدعوة بالخيانة، وتسليم دماء المواطنين، والتحريض على قتلهم.
على أن ما حدث فى يوم الجمعة 26 يوليو كان كفيلاً بإخراس كل الألسنة، إذ تدفق ملايين المصريين فى تظاهرات حاشدة تلبية لدعوة «السيسى»، لمنحه تفويضاً لمواجهة الإرهاب، انطلقت الهتافات «فوضناك.. فوضناك»، حمل الملايين طعام الإفطار معهم ليتناولوه فى «التحرير»، و«الاتحادية»، و«سيدى جابر» بالإسكندرية، و«الأربعين» بالسويس، وغيرها من ميادين المحافظات مصر من الشمال للجنوب، وفى وقت أذان المغرب، انطلقت الكنائس المصرية لتدق أجراسها، فيفطر المصريون على أصوات الأذان وأجراس الكنائس فى رسالة شديدة الدلالة لقوى الظلام التى لا تكف عن التآمر على وحدة النسيج الوطنى.
جاء الخروج الكبير لتلبية دعوة الرجل الذى حصل على شعبية طاغية فى وقت قصير جداً لم يتجاوز العام، حيث خرجت الجماهير فى 30 يونيو 2013، تطلب منه وهو على رأس المؤسسة العسكرية أن يواجه ظلم «الجماعة» وطغيانها، ينحاز «السيسى» لإرادة الشعب، ويعبر عنها بمواقف شجاعة وغير معهودة إذ يمنح الجميع فرصة 48 ساعة للوصول إلى حل يرضى جميع الأطراف، يتوعد بالتدخل الحاسم، كما يتوعد بالعمل على حل الأزمة، لكن شيئاً لم يحدث، تصم قيادات «الجماعة» آذانها عن تلك البيانات وتلك التحذيرات، ينتهى الحال بانضمام القوات المسلحة لصفوف الشعب، ويعلن قائدها نهاية عهد جماعة الإخوان المسلمين.
«إرهاب وعنف محتمل»، كلمات قالها «السيسى» فى خطابه الذى طلب فيه التفويض، يمر العام فلا يصبح الإرهاب محتملاً، وإنما واقعاً يعيشه المصريون منذ عزل «مرسى» عن الحكم، إذ تشتعل المواجهات مع جماعات إرهابية تقتل وتروع وتزرع القنابل وتحصد الأرواح فى مشاهد دموية تتكرر بصور مختلفة، ونهايات واحدة، لتظل الحرب على الإرهاب قائمة، ويستمر التفويض، تصريحاً شعبياً منحته الملايين للجيش والشرطة من أجل القضاء عليه.