«مبروك»: من البدروم لعشة السطوح رايح جاى.. «محدش مرتاح»
خرج من بلدته صبياً يافعاً، يتنقل بين عربات الترحيلات برفقة أصدقائه منذ أن بلغ الحادية عشرة عاماً، فقر الريف اصطدم مع زحام وبريق المدينة فى رأسه، فقرر أن يحمل حاله إلى القاهرة بعد زواجه هرباً من الغُلب والجوع، لتتغير حياة «مبروك» من فواعلى يُحصّل 35 جنيهاً فى الشهر، إلى حارس بأحد عقارات مدينة نصر، تلك المنطقة التى عُرف عنها فى التسعينات بأنها مدينة من المدن ذات الطابع الراقى.
فى الوقت الذى يشغل فيه السكان شققاً تساوى ملايين الجنيهات، يقبع «مبروك مجاهد» داخل حجرة أعلى العقار المكون من 12 طابقاً لا تساوى أكثر من آلاف الجنيهات، اضطر اتحاد الملاك إلى بنائها له ولأسرته المكونة من 5 أبناء هم «أمل، وداليا، وأحمد، وشيماء، ومحمد» لإخلاء البدروم الذى سكنه عدة سنوات للمالك الجديد، ورغم ذلك تظل ملامح الرجل الأربعينى راضية وصافية لا يعكرها سوى بعض التجاعيد التى رسمت ملامح مغايرة لشكله بأمر من الزمن، فالسطوح فى حياة «مبروك» نقطة إيجابية حيث اختلط أبناؤه منذ الصغر مع طبقة «ولاد الذوات» إلى أن صارت الطباع واحدة، فهو يحمد الله أن لذلك المكان فضلاً فى تهذيب سلوكياتهم التى لو كانت فى مكان آخر لاختلفت، وفق قوله. ففى الغرفة التى تضم مطبخاً وحماماً بسطح من الخشب تفصلهما ستارة غير مصرح بدخول أى من أفراد الأسرة تلك المنطقة للطهى، حال ذهاب أحد الأبناء للاستحمام أو لقضاء الحاجة، بحسب تعليمات الأب، حتى لا يستشعروا الحرج: «حليت مشكلة الإحراج، لكن لو واحد مننا حب يدخل الحمام فى الشتا بيغرق ميه بسبب السقف»، مساعدات السكان تقتصر على ما يتماشى مع مصالحهم الشخصية: «عملوا لى سراميك عشان الميه اللى بتغرق الأوضة متسربش على الناس اللى تحت، لكن محدش فكر يساعدنى أقفل بقية السقف لأنه مش ضاررهم بحاجة».
«عايشين غصب.. خدامين للقمة العيش» جملة تجمع بين الحسرة وشقاء السنين عبر بها «مبروك» عن سبب حاجته «للسطوح» من أجل أحلامه التى ظن أنه سيحققها ما إن وطأت قدماه القاهرة هروباً من الفيوم حيث الفقر وقلة الحيلة: «اللى ملوش أرض فى الفلاحين، بتمرمطه السنين»، رغم معاملة السكان الطيبة له لكن حكم السن فى يوم من الأيام يهدد «مبروك» بإخلاء الحجرة التى شهدت زيجة ابنته الكبرى وبناته الوسطى وسط دموع وزغاريد الفرحة، والعديد من الذكريات القريبة إلى قلبه: «هنا ولادى اتولدوا وكبروا وأحفادى كمان، ضحكنا وكلنا لقمة حلوة حتى لو كانت على القد بس راضيين، لكن دوام الحال من المحال، ودى سُنة الحياة مش هفضل بصحتى طول العمر».
اللحمة لا تدخل حجرته إلا 4 مرات فى الشهر، وأحياناً أقل، فحضورها يعتمد على إكراميات السكان، نظراً لتنظيف سياراتهم كعمل إضافى بجانب الحراسة، يتذكر «مبروك» أنه حاول شراء: «اللحمة البتلو اللى بياكلوها البنى آدمين» فوجد أن ثمنها يساوى حصة درس من دروس أحد أبنائه فقرر توفيرها أحسن على حساب تعليم العيال، عاصر أزمنة وعهوداً، فهيئة الرجل الأربعينى لا تتماشى مع عصر «الجنيه الجبس»، الذى يعطيه انطباع الدهشة إذ لم يقبل به ابنه «محمد» ذو الـ7 سنوات مصروفاً لأنه «مبيجيبش همه بعد ما كان بيجهز عروسة».