على صوت «تكتكات» ماكينة الخياطة، ينام الرجل الخمسينى فى هدوء اعتاد عليه تدريجياً، حيث وجد فى «السطوح» ضالته المنشودة، هرباً من الزحام الخانق فى الحجرة السفلية بعقار متهالك فى منطقة الحطابة بالقلعة، فالأبناء أربعة ينامون متراصين بجانب والدتهم، ولا مكان لشخص آخر، فلم يكن أمام «خالد» سوى أن يحمل مرتبة ووسادة مضحياً بالجو الأسرى المترابط ويتجه صوب حجرة السطح التى أعاد ترتيبها لتتحمل ماكينات الحياكة ومعداته وإفساح مكان لفرشته البالية.
المنظر من داخل حجرته بالسطوح «لا يسر عدو أو حبيب» فهو عبارة عن خرابات ومبان مخالفة «على الطوب الأحمر» تحجب أشعة الشمس، لا وجود لمنظر طبيعى أو نسمة هواء عليلة، يتصبب الرجل الخمسينى عرقاً وهو يحاول أن ينهى طلبية «صنادل» اتفق عليها مع إحدى الورش علها توفر له «نص جنيه فى الجوز»، عشرة جنيهات هى كل ما يتمنى تحصيله «خالد فكرى» صانع أحذية لتحسين ظروف المعيشة، فولده الكبير «مصطفى» أصابه الإحباط بعد أن كلّ من البحث عن فرصة عمل «وبيرجع إيد ورا وإيد قدام»، وبنتاه «هناء» و«دينا» حَرّم عليهما الأب الخروج من المنزل من بعد الثورة: «المنطقة كلها بقت شمامين وتجار مخدرات وأنا أبيع نفسى ولا أفرط فى عرض بناتى، خليهم فى البيت لحد ما العدل يجيلهم».
الوحدة والعزلة التى اختار «خالد» أن يعيشها فى «السطوح» كانت فى حقيقة الأمر رغماً عنه «بناتى كبار وعيب لما أنام وسطهم وابنى بينام على كنبة برا الأوضة اللى مفيهاش ذرة هواء»، الحال غير ميسور، والدخل «خس النص»، لم يتبقَّ من القاسم المشترك بين الأسرة سوى «الحمام المشترك» فالساعات الطويلة التى يقضيها «فكرى» منكفئاً على ماكينة الخياطة لا يفسدها سوى حاجته لدخول الحمام ذى الروائح الكريهة حيث تتقاسمه 4 أسر مختلفة من أهالى العقار وإضافة عليهم أسرة «خالد» التى لا تقابله إلا «على باب الحمام» فيما عدا ذلك هو «خارج نطاق الخدمة».
يضع بنتيه «هناء» و«دينا» نصب عينيه، فعندما يتفقد جحر الفئران الذى يسكنه يخشى من هروب «العرسان» وتتحطم معهم قلوب قرة عينيه لكن ما بيده حيلة: «بشتغل ليل نهار، واللى جاى على قد اللى رايح، وإحنا الفقراء مهما نحوش الأسعار بتعلى وتهد اللى بنيناه»، الأزمة الاقتصادية التى يعانى منها 50% من أهالى الحطابة ومن بينهم «خالد» لا حل لها إلا بسن قوانين صارمة على الأسعار، وسيادة «العدالة الاجتماعية» بين الأهالى حتى تختفى حياة سكان الأسطح للأبد: «السطوح فى كل مكان ليه حكايات.. فيه ناس واخداه سبوبة للشحاتة، وناس مجبرة تعيش فيه، وناس تانية بتخزى العين بادعاء الفقر.. وإحنا بين ده وده عايشين وطافحين الدم».