مشروع قانون «استرداد الأصول» يثير جدلاً بين الفقهاء القانونيين حول «جدية الدولة»
أثار مشروع قانون «استرداد الأصول» المقدّم من رئاسة مجلس الوزراء إلى قسم الفتوى والتشريع بمجلس الدولة لاستطلاع الرأى القانونى بشأنه، والذى يتضمّن حصر الأصول المملوكة للدولة والتى جرى الاستيلاء عليها، جدلاً قانونياً حول جدية الدولة فى استرداد الأراضى المستولى عليها فى الداخل أو الأموال المهرّبة إلى الخارج، خصوصاً فى ظل إجماع قانونى على صعوبة التحصل على هذه الأصول إلا بطريق التصالح مع المتهم، أو اتخاذ إجراءات دولية حقيقية بعد الاطلاع على قوانين الدول المُهرّبة إليها هذه الأموال والتى لا تسمح باستردادها إلا بعد صدور أحكام جنائية باتة ضد المتهمين، وفى ظل محاكمات تتأكد هذه الدول من كونها «عادلة».[SecondImage]
قال الدكتور محمود كبيش عميد كلية الحقوق جامعة القاهرة، إن «رغبة الدولة فى استرداد الأموال المنهوبة، فكرة جيدة فى حد ذاتها، إلا أن التحرك تجاه استرداد هذه الأموال لا بد أن يكون حذراً للغاية فى ظل وجود قوانين دولية صارمة فى هذا الشأن، بحيث يمكن أن تضيع الأموال المصرية المهرّبة إلى الخارج إلى الأبد، وقد تستولى عليها تلك الدول بشكل نهائى إذا لم تتحرَ الحكومة المصرية الدقة الشديدة فى عملية الاسترداد بشكل قانونى يتوافق مع القوانين المعمول بها فى هذا الصدد».
وأضاف «كبيش» لـ«الوطن» أنه «فى قضايا غسل الأموال على سبيل المثال، إذا ما أدين المتهم هنا فى مصر بحكم قضائى بات، فإن الدول المحتضنة للأموال المصرية، سواء كانت نقدية أو على هيئة أصول وعقارات لن تسلم مصر هذه الأموال لأنه متحصل عليها من جريمة جنائية، وعليه فستصادر هذه الدول الأموال لمصلحتها فوراً، وستخسرها مصر إلى الأبد، طبقاً للقانون الدولى». واقترح «كبيش» أن «يتضمن قانون استعادة أموال الدولة قبل إصداره من قِبل رئيس الجمهورية إمكانية التصالح مع المتهمين بالاستيلاء على هذه الأموال مقابل إسقاط الاتهامات الموجهة إليهم، خصوصاً أنه قد ثبت أنه من الصعوبة إثبات هذه الجرائم على المتهمين، لصعوبة التعامل الدولى فى هذا الشأن، فضلاً عن صعوبة إثبات ذلك بالدليل القاطع الذى يجعل القاضى مطمئناً إلى إصداره حكمه على المتهمين فى الداخل، مع ضرورة حضور محامٍ عن المتهمين فى القضايا التى لا تزال منظورة أمام المحاكم لإثبات التصالح وإسقاط الاتهامات حال التصالح مع الدولة».
من جانبه، قال بهاء الدين أبوشقة، المحامى: إن «استرداد الأموال المنهوبة فى الداخل أو الخارج يحتاج وفقاً للوضع الحالى إلى أحكام نهائية من القضاء العادى، مع العلم بأن من أهم شروط اتفاقية مكافحة الفساد الدولية المُصدّق عليها من قِبل مصر، صدور حكم بات من المحاكم العادية، وهو ما يحتاج لإصداره من 5 إلى 7 سنوات، وبالفعل هذا ما يحدث حالياً مع رموز نظام حسنى مبارك وفقاً لقانون الإجراءات الجنائية». وأضاف «أبوشقة» أن «من الشروط التى تحول دون استرداد الأموال عدم وجود غطاء مالى لمصر فى البلدان المهربة إليها هذه الأموال، حيث يتم فى هذه الحالة سداد ديوان الدولة، ثم تسليم الأموال المتبقية من المبالغ المهربة، كما أن هناك عدداً من الدول المهرب إليها تلك الأموال غير موقعة على الاتفاقية الدولية الخاصة بمكافحة الفساد، مما يحتم علينا رفع دعاوى قضائية أمام المحاكم المحلية فى تلك الدول، لإثبات أن الأموال المصرية المهربة إليها تم الاستيلاء عليها بطريقة غير مشروعة».[FirstQuote]
ولفت «أبوشقة» إلى أن «الحل الأمثل هو أن يحتوى القانون الجديد (استرداد الأصول) على بنود خاصة بالتصالح، بحيث يتم التصالح فى الجرائم المالية غير مرتبطة بأى أفعال إجرامية، وهى جرائم الاختلاس والاستيلاء على أموال الدولة والتربُّح والإضرار العمدى بالمال العام»، مشدداً على ضرورة أن «تكون بنود القانون محددة وواضحة فى تحديد الجرائم المالية المتصالح فيها، بالإضافة إلى تحديد حد أقصى للمبالغ المتاحة، حتى لا يفتح الباب إمام المتربحين من المال العام للتهرُّب من المسئولية الجنائية. وهذه البنود يمكن العمل بها لفترة مُحدّدة لحين استرداد الأموال المنهوبة، ثم العودة إلى النصوص السابقة من قانون العقوبات».
من جهته، عارض الدكتور شوقى السيد، الفقيه الدستورى، إصدار تشريع جديد لاسترداد الأموال المنهوبة، معتبراً أن «التشريعات الحالية، سواء فى قانون العقوبات أو القانون المدنى كافية لاسترداد هذه الأموال وإعادتها إلى الدولة».
فيما قال الدكتور عماد الفقى، مستشار القانون الجنائى فى المنظمة العربية لحقوق الإنسان، إن «القانون بمفهومه الحالى لن يضيف جديداً، خصوصاً أن مواد قانون العقوبات تقرر استرداد الأصول والأموال المنهوبة من أى متهم يثبُت تورُّطه فى الاستيلاء على المال العام عن طريق التربُّح أو استغلال النفوذ، إذا أثبتت النيابة العامة على المتهم قيامه بذلك».
وشدد «الفقى» على أن «الأمر لا يحتاج إلى تشريعات قانونية جديدة فى الداخل، بل يجب توجيه سعى الدولة لاسترداد الأموال إلى الخارج، خصوصاً أن الدول الأجنبية تتعامل بشكل مختلف تماماً بالنسبة للأموال الموجودة فيها، حسب قوانينها الداخلية، وعليه فإن المجهود الأكبر لا بد أن ينصبّ على وزارتى الخارجية والعدل، وعلى مراجعة الاتفاقيات الدولية لاسترداد الأموال المصرية من الخارج».
وطالب «الفقى» الحكومة بـ«إنجاز خطوة جادة تأخرت لسنوات، وهى إقامة دعاوى قضائية أمام المحاكم الدولية وأمام محاكم الدول التى توجد بها أموال مهربة من مصر، فأغلب دول العالم تتعامل من منطلق قانونى وفق مبدأ (إقليمية القوانين)، بمعنى أن القانون المحلى للدولة هو الملزم بالنسبة لها وليس أى قانون أو حكم صادر من أى محكمة أو دولة أخرى».[SecondQuote]
بينما قال شعبان سعيد، المحامى بالنقض، إن «خيار التصالح يظل خياراً مطروحاً لاسترداد الأموال، فهناك بطء فى التشريع وتطبيق القوانين، الأمر الذى يجعل تطبيقها والعدم سواء»، لافتاً إلى أن «هذا التأخر جعل هذه الأموال تنتقل إلى المصارف الدولية بأسماء أشخاص آخرين من جنسيات أخرى، وتذوب فى كيانات اقتصادية أجنبية، فتكون هناك صعوبة فى إثبات مصدرها الأصلى». وأشار «سعيد» إلى أنه «لا بد من تعاون الدول المهربة إليها الأموال حتى نستطيع أن نحصل عليها، مع ضرورة التعلم من أخطاء الماضى، كما لا بد من محاصرة المتهمين عن طريق قضايا الكسب غير المشروع، ومنعهم من السفر، كإجراء احترازى حتى التصالح معهم للحصول على أموال الشعب».