درويش.. "حاضراً مِلءَ الغياب"

كتب: إمام أحمد

 درويش.. "حاضراً مِلءَ الغياب"

درويش.. "حاضراً مِلءَ الغياب"

تجاوز حدود اللغة، ومَرَّ على أرض الحروف منفرداً، وأجاد المرور، حتى وقف خلف الكلمات ينظر إلينا عبر نظارته ذات العدستين واسعتين الاستدارة، المصنوعتين من زجاح الحكمة الأولى؛ فرأى من هناك ما رأى، وقال ما قال في قصائده التي رواها بماء الخلود، فلم يتمكن منها الموت، ولن! .. فحفظت حضوره رغم "الرحيل المزعوم" عنه الذي كان قبل ستة أعوام في 2008، عام الحزن الفلسطيني والعربي. "لم يَمُتْ أَحَدٌ تماماً، تلك أَرواحٌ تُغيِّر شَكْلَها ومُقَامَها" محمود درويش، الحاضر ملء الغياب، شاعر الإنسان قبل أن يكون شاعر القضية الفلسطينية، الذي أتاه الله حكمةً واسعةً فأفاض بها شعراً، فكان بين الشعراء فيلسوفاً، وبين الفلاسفة شاعراً. في عام 1999، قبل سنة واحدة من بدء الألفية الجديدة، ناشد الموت بالانتظار قليلاً، قائلاً في جداريته الخالدة: "أَيُّها الموتُ انتظرني خارج الأرض، انتظرني في بلادِكَ؛ ريثما أُنهي حديثاً عابراً مَعَ ما تبقَّى من حياتي قرب خيمتكَ"، فاستجاب الموت، وانتظره تسع سنين عجاف، زاد فيها حزن الوطن، وآلامه، واتسعت دائرة استوطان المحتل، وتوجع فيها قلب الشاعر، حتى لم يحتمل وتوقف عن النبض بعد إغماءة طويلة تعرض لها خلال إجراء عملية جراحة قلب مفتوح في الولايات المتحدة الأمريكية، طلب بعدها أن ترفع عنه أجهزة الإنعاش، كأنه أذَنَ للموت أن يفض انتظاره، ويبدأ في أداء مهمته، راغباً في الانتقال إلى مكانٍ آخر! "أَعرفُ أَنني أَمضي إلى ما لَسْتُ أَعرف.. رُبَّما ما زلتُ حيّاً في مكانٍ ما، وأَعرفُ ما أُريد: سأصيرُ يوماً ما أُريد" لم يكن "درويش" شاعراً فحسب، ولم يكتف بالكلمة سلاحاً، لكنه انغمس في العمل السياسي للدفاع عن قضية وطنه المكلوم تحت نار الاحتلال منذ 1948، وكان في سِنّ السادسة، حيث قصفت قرية "البروة" التي نشأ فيها بين أسرته، ثم تعمق دوره واهتمامه بالقضية حتى اعتقل للمرة الأولى في عام 61، وأحدثت نكسة يونيو 67 منعطفاً جديداً في طريق الشاعر، وكان يدنو من سنّ العشرين، وازداد نشاطه السياسي وبدأ يتدرج رسمياً حتى أصبح عضواً بالمجلس الوطني التابع لمنظمة التحرير، وكتب وثيقة الاستقلال الفلسطيني، قبل أن يقدم استقالته من المنظمة احتجاجاً على اتفاقية أوسلو. "وطني، إنّا ولدنا وكبرنا بجراحك.. وأكلنا شجر البلّوط.. كي نشهد ميلاد صباحك" بين الشاعر، والسياسي، يقف محمود درويش يعبر عن مساحته الخاصة، ومذاقه الفريد، حتى أنه في أحيانٍ كثيرة تجده ليس شاعراً ولا سياسياً، وقد خلع العباءتين وتحرر؛ ليصبح أقرب إلى الإنسان الواقف على ناصية الطريق، متأملاً، وشارداً في تأملاته إلى حيث لا يدرك الناظرون: "سأحلم ، لا لأصْلِح مركباتِ الريحِ أو عطباً أصاب الروح.. فالأسطورة اتٌخذتْ مكانتها المكيدة في سياق الواقعيٌ، وليس في وسْعِ القصيدة أن تُغيّر ماضياً يمضي ولا يمضي، ولا أنْ توقِف الزلزال.. لكني سأحلم" لا يزال الحلم الدرويشي مستمراً بعد الرحيل، و"درويش السماوي"، كما وصف نفسه في الجدارية، لم يزل ممسكاً بأطراف حلمه من مسكنه العلوي الذي اختار، و"به أمل يأتي ويذهب لكن لن يودعه".. الوطن، الحبيبة، الإنسان، محطاتٌ ثلاث يمرُّ بها حلم درويش، ومرت بها كل قصائده، وهي ما زالت مغلقةً، لم تفتتح بعد، ولم ينفذ إليها هواء الحب والحرية، كما تطلع الدرويش، وأراد!