أحد أرقى عقارات شارع الطيران، يجاور مسجد رابعة العدوية بمسافة لا تتعدى 700 متر، تحيطه حديقة كبيرة خضراء وجراج خاص لسيارات سكانه، يجذب العين بتناسق تصميمه وارتفاعه البارز وسط ما حوله من عقارات، بجانبه واحد من أهم معارض السيارات فى مصر، و«كشك» صغير لبائع فقير، ما يضيف إلى المشهد لمسة تناقض.
لم يكن عقار 84 شارع الطيران مجرد عقار عادى؛ فلقد وقع اختيار محمد بديع، المرشد العام للجماعة المحظورة، عليه للاختباء، وكأنه قرر تطبيق حكمة «المكان الأفضل للاختباء من الأسد هو عرينه»، فاختار أن يختبئ فى أقرب مكان لمسجد رابعة العدوية، ليبعد الظنون عن اختبائه فى مكان بهذا القرب، بالإضافة إلى أنه سيسهل حركته من وإلى الاعتصام؛ مراعاة لكبر سنه، إلا أنه على الرغم من ذلك سقط فى قبضة الشرطة فى الساعة الأولى من يوم الثلاثاء 20 أغسطس 2013.
وفى محاولة منه لتذكر وقت واقعة القبض، يروى «ج. م»، أحد رجال أمن معرض السيارات المجاور للعقار، بوجه خمسينى غزاه التعب والإرهاق وعينين قلقتين خائفتين، بعد إصدار أوامر مشددة له بعدم التحدث مع أى من وسائل الإعلام، قائلاً: «فوجئنا الساعة الواحدة صباحاً بوجود قوات الأمن والشرطة، وسط هدوء شديد، لتأمين مداخل ومخارج العقار بعناية شديدة، ودخلت المعرض لمنع خروج أحد من ناحيته، وبعد مدة قصيرة لا تتجاوز نصف ساعة وجدنا القوات تصطحب محمد بديع مرتدياً جلابية بنية اللون، وتبدو على وجهه علامات الذهول».
غيّر ملاك العقار رجال الأمن، وأصدروا لهم أوامر صارمة بألا يخوضوا فى أحاديث مع وسائل الإعلام أو يشيروا إلى هوية أى من السكان العقار، قائلين -فى رسالة تبدو وكأنها مسجلة-: «جميع سكان العمارة ما كانوش موجودين وقت لما قبضوا عليه، ودلوقتى بردو ما حدش موجود علشان كلهم فى المصيف، وإحنا لسه جداد ما نعرفش حاجة هنا».[FirstQuote]
«أنا كنت هنا يوم لما قبضوا عليه، وساكن فى نفس الدور، وما توقعتش أبداً إن اللى يكون ساكن جنبى بديع.. كنا دايما بنشوف ستات بنقاب تدخل وتخرج افتكرناهم تبع الاعتصام فما شغلناش بالنا، ويوم لما اتقبض عليه ما حسّناش بحاجة خالص».. بهذه الكلمات المقتضبة وصف سعد شحاتة، الشاب الثلاثينى، أحد سكان العقار، يوم القبض على «بديع»، أثناء هرولته للحاق بالمصعد، وسط نظرات محذرة من زوجته بعدم استكمال الحديث.
الحى هادئة ثناياه، غير فاضحة لجوانبه، يسيطر عليه السكون؛ فصوت السيارات المارة به بين الحين والآخر هو الأعلى، وسكانه يطبقون المثل القائل «صباح الخير يا جارى، انت فى حالك وأنا فى حالى»، لم تثر حركة أحد سكان عقار 21 فى الحى الثامن بمدينة نصر تحفظ أىٍّ من ساكنيه، الذين لم يعبأوا بامتلاك أحد القيادات البارزة بجماعة الإخوان منزلاً به؛ حيث اتسم القيادى بالهدوء الشديد وعدم الاختلاط مع جيرانه، رغم كونه أكثر رجال الجماعة غموضاً والرجل الثانى لها.[SecondQuote]
مداومته على الصلاة بمسجد بلال بن رباح، المقابل لمنزله بالحى الثامن، جعلت منه شخصاً تقياً مقبولاً ومحبوباً لدى جيرانه، الذين لم يهتموا بعضويته الفذة داخل الجماعة المحظورة، التى حكمت مصر قرابة العام، غير أن أحداً لم يجُل فى باله أن اقترابه من خيرت الشاطر -المرشح الرئاسى السابق، الذى حل مكانه محمد مرسى كبديل فضلت الجماعة خوضة للسباق الرئاسى بعد انسحاب الشاطر بسبب مشكلات قانونية، نتج عنها انسحابه- وكونه أغنى بكثير من امتلاك شقة بالدور الأخير فى عمارة 21 المقابلة لمسجد بلال، جعلا منه رجلاً حسن السمعة، لم تحدث قوته السياسية أو حراسته تغيراً داخل المنطقة الهادئة، التى لم تتغير قيد أنملة قبل حكم اﻹخوان أو بعده.
القبض على «الشاطر» أثناء وجوده بمنزله أمر لم يفسره جيرانه بأنه هروب من قوات الأمن؛ حيث ألقت القبض عليه فى هدوء شديد بساعات الصباح الأولى من يوم 6 يوليو 2013.
«كان فى حاله، وأهله قاعدين فى الدور الأخير، ولم نعلم خبر القبض عليه غير من وسائل الإعلام».. كلمات قالها أحد جيران «الشاطر»، ليصف عملية القبض على الرجل الأقوى فى الجماعة.[ThirdQuote]
فترة اﻻعتصام بميدان رابعة العدوية، الذى لم يبعد كثيراً عن منزل «الشاطر»، لم تغير فى أمر المنطقة الكثير، وصفها حارس عقار «الشاطر» -رفض ذكر اسمه- بأنها عادية، غير مقلقة للجيران، ولم تعكر صفوها أى حركات غريبة، خاصة أن اتسام شخصية «الشاطر» بالهدوء ومداومته على أداء الصلاة بالمسجد المقابل لمنزله وعدم إثارته القلاقل أثناء مكوثه أو ذهابه للعمل.. جعلت منه شخصية عادية ليست بالغريبة، وعلاقته الطيبة بالجيران أكسبته التعاطف.. «الشاطر كان بيقضى معظم الوقت برّه، بس كان بيروح يصلى الجمعة دايماً، أما من ساعة ما اتقال بيان السيسى، ما حدش من قوات الأمن جه».. كلمات وصف بها الحارس شخصية «الشاطر» المتوارية عن أنظار الجميع.