ممرات «رابعة» لم تكن آمنة.. امتلأت بالجثث والدماء

كتب: روان مسعد وأروى الشوربجى

ممرات «رابعة» لم تكن آمنة.. امتلأت بالجثث والدماء

ممرات «رابعة» لم تكن آمنة.. امتلأت بالجثث والدماء

آثار طلقات نارية وخرطوش تنتشر على الجدران بمحيط ميدان رابعة العدوية، جدران ستشهد يوماً على من اخترقها، وتقول أمام ربها من اعتدى ومن بدأ الإثم، من قتل ومن لم يرحم، من كان ساكناً وقت الفتن، ومن أشعلها، فتن تسببت فى أن سماء ميدان رابعة العدوية شهدت فى الـ14 من أغسطس صعود مئات الأرواح، لم تفرق حينها بين الشرطى والمدنى، فقط امتلأت السماء حتى عبَّقت المكان برائحة الموت. عدة ممرات آمنة أعلنت عنها الشرطة المصرية لخروج المعتصمين دون أن يمسهم أحد من قوات الأمن سواء شرطة أو جيش، دخلت «الوطن» إليها لكنها كانت ممتلئة بآثار الطلقات النارية، وفى آخر شارع يوسف عباس من جهة محطة البنزين التى اشتعلت، تتراص بنايات سكنية، لها مداخل متوازية تشترك فى نوع الرخام ولونه، هنا طاردت قوات الأمن عدداً من المعتصمين الذى قرروا أن يأخذوا من يوسف عباس ممراً آمناً، لكن لم تسعفهم الطلقات التى اخترقت ظهورهم. بذاكرته الصغيرة التى تحتمل أكثر مما ينبغى، يروى الفتى الصغير ذو العشرة أعوام ما حدث بالأمس القريب أمام البناية التى يحرسها والده، وكيف أن إخوانياً رفع فى وجه والده رشاشاً: «هو اتخض عشان كان فاكر إنه تبع الشرطة، ولما لقاه مالوش دعوة هرب»، تزين مداخل البنايات حدائق متراصة فى مواجهتها، بعد أن هرب الرجل الإخوانى ركضاً، وقع فجأة غارقاً فى دمائه على الزرع، فقد لحقته رصاصة طائشة، أو ربما هى صائبة من صفوف قوات الأمن. «شاهد» «عبدالرحمن» يوم الفض بأذنيه، ورأى توابعه بعينيه، بعد أن انقضى اليوم وتركت قوات الأمن المنطقة لساكنيها: «طول النهار كنت مستخبى جوا الأوضة وسامع الرصاص رايح جاى»، على الرغم من إغلاق أبواب البنايات بالقفل فإن الإخوان حاولوا اقتحامه أثناء محاولة الفرار، حسبما يتذكر دماغ الصغير، فكُسر زجاج بوابة العمارة بالكامل، واقتحم الرصاص الحى حرمة الغرفة الصغيرة التى يقبع داخلها «عبدالرحمن» وأسرته الصغيرة. «فيه عمارة 3 واد إخوانى صغير الشرطة ضربته»، جثة انتشلها الصغير مع رفقائه من حراس العمارات المجاورة، عندما حاول طفل إخوانى صغير الهروب والاختباء داخل الحديقة، لاحقته رصاصة أمنية، ليصبح الممر غير آمن حتى على الأطفال وليس الكبار فقط. يدور «عبدالرحمن» بعينيه العسليتين باحثاً عن جار له ليروى بقية القصة، فيذهب إلى عم «عمارة»: «الراجل ده شال معانا الجثث»، لكن عم «عمارة» وزوجته ينفيان وجودهما فى المنطقة أثناء عملية الفض: «لا، إحنا كنا فى البلد»، إجابة مقتضبة وعيون زائغة تدل على خوف من البوح بما حدث أثناء عملية الفض، ليؤكد الصغير: «والله كان معانا». فيكمل «عبدالرحمن» ما حدث بالأمس القريب يوم الفض فى أحد الممرات الآمنة التى أعلنت عنها الشرطة: «طلعت برا الأوضة لقيت هنا مليان جثث»، مشيراً إلى مدخل العمارة. يروى الصغير مشاهد دموية تختزن فى عقله، مع نفسية استطاعت حمل الجثث إلى سيارات الإسعاف التى كانت تأتى إلى المنطقة بشكل دورى حتى عصر اليوم التالى، لانتشال جميع الموتى من محيط ميدان رابعة العدوية. «كمان بالليل لقينا إخوان كتير مستخبيين فى الجنينة اللى ورانا ومعاهم الموتوسيكل بتاعهم»، أصبح «عبدالرحمن» هو أصغر موثق ليوم فض ميدان رابعة العدوية من قبل قوات الأمن، يروى تفاصيل اليوم وكأنه بالأمس، أصبح الصغير أكثر جَلَداً، وهو يروى مبتسماً مشاهد مزقت قلوب الرجال قبل الأطفال: «ودينا الإخوان للشرطة وهم سلموا نفسهم على طول». وينتقل الصغير إلى مشهد آخر، حينما حاول حراس العقارات الطلوع أعلى البنايات لرؤية ماذا يحدث، فحامت حولهم الطائرات الحربية و«عساكر فوق مبنى الجيش كانوا بيضربوا علينا نار». وعلى مقربة من بناية «عبدالرحمن»، تجلس «أم أميرة»، على كرسى خشبى مقابل لإحدى الحدائق بجانب العمارة التى تحرسها، تتحدث فى التليفون المحمول، يخرج شعرها الأشعث من الحجاب غير المحكم على رأسها، تتذكر يوم الفض، وتتحدث عنه بصوت أجش غليظ: «كنت باتوضأ عشان أصلى الفجر لقيت الرصاص داخل لغاية جوا كسر زجاج الحمام»، بالإضافة إلى كسر زجاج البناية نفسها، وزجاج أول دور من شرفات وشبابيك. «لقينا الدنيا مهجورة مانعرفش مين القاتل من مين المقتول!»، خرجت السيدة الخمسينية من غرفتها التى حمتها من النيران إلى مدخل العمارة لتستطلع الأمر الذى انقضى، لتجد جثث الضحايا تملأ المدخل مع آثار دماء فى كل مكان: «أمم! مش واحدة ولَّا اتنين، كأنها عند الكعبة»، تروى «أم أمينة» أن الجثث افترشت مداخل العمارات كلها بشكل عشوائى. كان زوجها برفقتها حينما صعدت إلى أدوار العمارة العليا لتجد جثة على السلالم، لشخص حاول الهرب من قوات الأمن صعوداً إلى السطح، فحملت الجثة بمساعدته وسلمتها للإسعاف: «الدم كان مالى كل العمارات»، وكان عليها أن تزيله قبل عودة السكان، فأمسكت بأدوات التنظيف وبدأت فى جر الدم البشرى، وتنظيف المكان بالماء والصابون: «إحساسى كان صعب وأنا باعمل كدا». على الرغم من الألم الذى شاهدته «أم أميرة»، فإنها تضررت من الاعتصام شر ضرر: «كانوا نايمين قدام العمارة، مش عارفين نعيش ولا نخرج وندخل ولا ناكل ولا نشرب»، ما دفع السكان إلى الهرب من العمارة وتأجير شقق فى مناطق أخرى حتى ينتهى الاعتصام، وترى أن قوات الأمن قامت بتحذير المعتصمين بموعد الفض وكان عليهم الرضوخ للأمر الواقع وترك المكان، إلا أن «مخهم الضيق» جعلهم صيداً سهلاً. وفى مدينة التوفيق، فى محيط ميدان رابعة العدوية، يتحدث أحد قاطنى المنطقة، ويروى شهادته عن يوم الفض: «الإخوان هم اللى بدأوا»، وبالتالى كان على قوات الأمن التدخل لتنظيف المنطقة من الإخوان، وفق أحمد أمير، الشاب الثلاثينى، الذى عانى الأمرَّين نتيجة وجود الإخوان بالقرب من منطقته السكنية. «كان فيه داخل رابعة 4 ممرات آمنة»، على الرغم من آثار العنف الذى كانت فى الممر عند يوسف عباس، فإن «أحمد» يؤكد أن الممرات كانت آمنة تماماً لعبور المعتصمين، أحدها خلف سينما مدينة نصر، والآخر فى شارع أنور المفتى، وآخر عند «مركاتو». «ريحة عفن»، هكذا لخص «أحمد» المشهد عند ميدان رابعة العدوية عقب فض الاعتصام، حيث توجد جثث متعفنة، وخيام محترقة، ورائحة غاز لا يزال صداه موجوداً.
الممر الآمن