محطة بنزين موبيل بـ"الطيران".. حرق وخراب ديار

كتب: روان مسعد وميسر ياسين

محطة بنزين موبيل بـ"الطيران".. حرق وخراب ديار

محطة بنزين موبيل بـ"الطيران".. حرق وخراب ديار

تستقر ساكنة في أول شارع الطيران بمدينة نصر، حالها حال محطات البنزين الأخرى، إذا ما ألمت أزمة بمصر، تجد عمالها يتسارعون في خدمة زبائنهم من أصحاب السيارات التي تمتلئ بهم المحطة، تجمعهم صفات موحدة، ملابس زرقاء، وطريقة كلام تغلب عليها البساطة، ونظرة شقاء، وسمرة جراء الإقامة تحت أشعة الشمس لفترات طويلة، يتشارك عمال محطة الوقود الذاكرة نفسها أيضًا، فهم لا يستطيعون نسيان ما حدث في الماضي القريب، تحديدا قبل عام، حينما أذاعت شاشات التلفزيون خبر حريق مصدر رزقهم الوحيد. حطام ورماد ورائحة دخان ممتزجة برائحة موتى كانوا يعسكرون في المحطة بخيامهم، مشهد خلفه فض اعتصام رابعة، بمحطة بنزين "موبيل" التي احترقت يوم الفض، وأدت لفزع سكان المنطقة من احتمالية انفجارها، "جينا لاقينا كل حاجة محروقة ومتفحمة" قالها إبراهيم، أحد عمال المحطة، الذي كان حاضرًا في اليوم التالي لفض الاعتصام ليرى ما تبقى من مصدر رزقه بعد إجازة بدون أجر دامت ما يقرب من ثلاثة أشهر.[FirstQuote] أمام إحدى ماكينات تزويد الوقود بالمحطة يقف إبراهيم منتظرا سيارة أخرى لتعبئة البنزين، وفي حركات روتينية، يتجه صوب السيارة ويبدأ في تزويد الوقود، حسرة تبدو في كلامه عندما يتذكر الفترة الطويلة التي قضاها دون عمل بسبب الاعتصام، "كنت بشتغل أي حاجة عشان أوكل عيالي وأصرف عليهم"، عم إبراهيم، وزملاؤه في المهنة، لا يتقاضون أجرا كل شهر من إدارة المحطة، إنما تكتفي شركات البترول الكبيرة، بالرزق اليومي للعمال من "الإكرامية" التي تجود بها كل سيارة تعبر عليهم للتموين. "التفاؤل بسخرية" نهج قرر أحمد أباظة أن يسير عليه، حتى البسطاء يرون الحياة ملونة من خلال "النكات"، يجوب أنحاء المحطة واضعا "كاب" على رأسه، يمازح زملاءه أينما يسير ويساعده جسده الهزيل في الهروب من أحدهم قبل أن يرد له الضربة، يقابل زبائنه بابتسامة صغيرة أضحت جزءا من تكوين وجهه، يؤكد بسخريته المعتادة أن "الوضع الحالي أفضل، لو مش هلاقي آكل بردو هستحمل"، بكالريوس التجارة الذي حصل عليه لم يمكنه من إيجاد فرصة عمل تليق بتعليمه العالي، فكان طريق محطة البنزين هو عمله، وحتى عندما أصبح عاملا في محطة بنزين، قطع رزقه لثلاثة أشهر كاملة لم يتقاضَ فيها راتبا، كما لم يحث المعتصمين على ترك مكان رزقه، "لو كنت قلتلهم مكانوش هيوافقوا". على مقربة من الشارع وأمام محطة البنزين يقف الرجل الستيني، يشير لإحدى السيارات لتدخل المحطة ويزودها بالوقود، "أي خدمة تاني يا بيه"، بوجه كهل ترهل من طيلة السنوات التي قضاها ممسكا بمزود الوقود، يقولها عم محمد، ليجيبه السائق ببعض الجنيهات في يديه، لا يزال يتذكر ما حدث منذ عام، عندما اضطره اعتصام رابعة إلى الجلوس في البيت، "قعدة البيت بطالة، والإنسان بدون شغل مالوش لازمة"، ظروف جعلت ابنه البكري الذي كان حينها في الثانوية العامة، يترك التعليم الثانوي ويلتحق بالصناعي كي يتمكن من العمل مع التعليم، " ابني كان ممكن يبقى من المتفوقين لو كنت خليته يكمل دروسه".[SecondQuote] مجموعة أخرى من العمال في محطة الوقود الكبيرة، يجلسون داخل الجزء المخصص للزيوت والتشحيم، تبدو على هيئتهم طبيعة عملهم من آثار تغيير الزيت، حتى إن الشحوم وصلت إلى أيديهم وعلقت بها، يروون شهاداتهم عما حدث في محطة الوقود أثناء اعتصام رابعة العدوية العام الماضي، "المعتصمين كانو بيباتوا وينصبوا خيامهم، جوا البنزينة، واستخدموا الحمامات والاستراحات بتاعتنا"، يوضح أحدهم أسباب منعهم عن العمل أثناء الاعتصام، والأضرار التي أصابتهم بسببه، وذلك على الرغم من تأكيده أن أحدا منهم لم يتعرض لهم بأذى، فقط قرروا أن يعتصموا داخل المحطة، التي أصبحت جزءا من الحرم الذي خصصه المعتصمون لأنفسهم. بعد غلق محطة الوقود، إثر استخدامها من قبل معتصمي رابعة، لجأ عاملو المحطة إلى التناوب على حراسة مقر عملهم، بحيث يوجد اثنان منهم بالمحطة كل يوم لحراستها، لكن يوم الفض حدث ما لا يحمد عقباه، فقد شبت النيران في أرجاء المحطة لتصبح كتلة سوداء، لكن العمال لا يعلمون شيئا عن سبب تلك النيران والفاعل الحقيقي لها، كان الهم الأول أن الوقود داخل الخزانات لم ينفجر في سكان المنطقة والشوارع المحيطة، يكمل أحد عمال الزيوت، "المحابس من النوع العازل للحرارة فمنعت النيران من الوصول إلى أسفل الخزان". بالقرب من ميدان رابعة، وبجانب محطة الوقود مباشرة، يوجد "كشك" صغير طالته النيران، واضطر صاحبه إلى تغيير الهيكل بالكامل، إضافة إلى جلب بضائع جديدة بدلا من المحترقة والتالفة من جراء "معركة الفض"، يمكث داخل الكشك شاب لم يتجاوز الثلاثين من عمره، ترك بلاده في أقصى الصعيد بحثًا عن لقمة العيش، يروي ما حدث معه منذ ما يقرب من عام، "خسرت 35 ألف جنيه، وقعدت شهر أرمم في الكشك من بعد فض الاعتصام"، على الرغم من أن عبدالله محمود، صاحب الكشك ترك مصدر رزقه قبل العيد بأسبوع وذهب إلى محافظته "سوهاج"، إلا أن أضرار الاعتصام والنيران من خلفه طالته، "الوضع الأمني كان صعب جدا، وكنت بضطر أقفل الكشك عشان ميتحرقش أو يتهاجم". "رب ضرة نافعة"، رغم ما تسبب فيه الاعتصام من قطع أرزاق عمال محطة البنزين المجاورة لعبدالله، فإن صاحب الكشك يعترف أن دخله ارتفع نتيجة شراء المعتصمين منه بصفة دائمة، "كان الدخل أكبر والرزق أكتر وكانو بيعاملوني باحترام"، لكن في النهاية انقلبت الأمور رأسا على عقب، واحترق الكشك بالكامل، "فض الاعتصام شر لابد منه" بحسب ما يرى عبدالله، فإعادة هيبة الدولة من الضروريات بالنسبة له، ويجب على الجميع تحمل الخسارة، "مش مهم خسارتي لأن الوضع في المنطقة كان مأساوي وبعض السكان سابوا المنطقة وهجروها بسبب الاعتصام".