«الوطن» ترصد شهادات أهالي رابعة: بعض المعتصمين جاء من أجل القضية.. وآخرون جذبتهم "الأموال"

كتب: حسام بيرم وسمر صالح وسارة إبراهيم

 «الوطن» ترصد شهادات أهالي رابعة: بعض المعتصمين جاء من أجل القضية.. وآخرون جذبتهم "الأموال"

«الوطن» ترصد شهادات أهالي رابعة: بعض المعتصمين جاء من أجل القضية.. وآخرون جذبتهم "الأموال"

أحد أهم الأحداث التى سيقف أمامها التاريخ طويلاً هو اعتصام رابعة والنهضة الذى أحدث ضجة كبيرة فى مختلف الأوساط المحلية والعالمية، 47 حصيلة اعتصام رابعة العدوية، رحل الجميع وبقى حراس العقارات والمحال الذين أجبرتهم ظروف أعمالهم على الاستمرار فى ظروف بالغة الخطورة، وربما يتعرضون للموت فى أى لحظة، مكثوا وكانوا شهوداً على كواليس أحد أكبر الاعتصامات البشرية فى العالم وأكثرها إثارة للرأى العام.. يمر عام على ذكرى فض الاعتصام، تتعدد الأقاويل والآراء وتختلف الشهادات وأحياناً تتضارب بشكل كبير، وستبقى الحقيقة تائهة بين الجميع وتحتاج لسنوات طويلة لتتضح كواليس هذا الفض. «يا بيه اللى مش لاقى ياكل ويشرب أو مضايق من حاجة كان بييجى يقعد فى الاعتصام»، بهذه الكلمات بدأ «س» حارس العقار بالشارع الموازى لشارع الطيران، يروى شهادته عن أجواء الاعتصام التى عاشها حتى الساعة السادسة والربع من صباح يوم الفض. حارس العقار الشاب رأى أصنافاً مختلفة من البشر تفترش الشوارع المحيطة بمنطقة رابعة العدوية، فمنهم من جاء إيماناً بالقضية ومدافعاً عنها، ومنهم من جاء للاستفادة من الوجبات التى كانت تحمل داخل العربات «الجامبو»، وتوزع على المعتصمين يومياً، وجزء كبير منهم يحصل على نقود مقابل استمراره فى الاعتصام. الشاب العشرينى الذى ظل حارساً فى عقارات مدينة نصر لمدة 8 سنوات، بدأ حياته مزارعاً فى مدينة أبوقرقاص فى المنيا، وهاجر إلى القاهرة بحثاً عن لقمة العيش. «الإخوان يحملون عصا طوال الوقت، ولم أجد فى أيديهم سلاحاً»، يرى حارس العقار الشهير بشارع الطيران أن اعتصام الإخوان سلمى؛ فكان معظم الحضور منشغلين بقراءة القرآن والأذكار طوال الوقت، ولم يلمح فى أيديهم إلا العصا التى كانت تكثر عند نقاط التفتيش. «فيه ناس كسبت من وراء الاعتصام وفيه ناس حالها وقف»، يسترسل الشاب العشرينى فى الحديث حول روايته عن الاعتصام، مشيراً إلى أن معظم المحال والأكشاك استفادت كثيراً من الاعتصام، بينما تضررت المحلات الكبيرة، وهجر السكان المكان نتيجة المضايقات التى كانوا يجدونها فى مداخل ومخارج الحى وحالة الشلل التام التى أصابت المنطقة. حارس العقار الذى كانت تربطه علاقة متوترة بالمعتصمين فى ظل محاولاتهم المتكررة لاعتلاء سطح العمارة، وإصراره المستمر على الرفض مما دفعهم للشجار معه أكثر من مرة. خلق الإخوان مصر مصغرة داخل الاعتصام، على حد وصف حارس العقار، فالمعتصمون أتوا من مختلف محافظات مصر و«أعطوا لكل منطقة الحتة اللى تليق بيها»، فأبناء الوجه القبلى كانوا فى الجهة المقابلة لشارع الطيران، بينما مكث أبناء محافظة المنوفية بجوار العقار الذى أحرسه». الهدوء هو العنصر المهيمن على المكان فى الساعات التى سبقت الفض، فلم نلحظ أى تغيير فى العادات اليومية التى يقوم بها المعتصمون، قراءة أذكار الصباح وترتيل القرآن وصلاة الجماعة التى ميزت الاعتصام لفترات طويلة، ولكن اختلفت ملامح المشهد بمجرد أن تحرك مؤشر الساعة نحو السادسة صباحاً، سمعت أصواتاً تكبر فى كل مكان، وارتفعت العصى للأعلى فشعرت أن شيئاً كبيراً سيحدث خلال دقائق، سارعت بالهروب من المكان «ونفدت بجلدى أنا وعيالى» عن طريق ممر آمن وفره لى حارس عقار مجاور لى، وعدت إلى المنطقة مرة أخرى عقب انتهاء الفض بـ10 أيام وجدت كل شىء عاد كما كان قبل الاعتصام. على بعد خطوات قليلة من مسجد رابعة العدوية، وتحديداً من داخل عمارة «104» فى امتداد شارع الطيران يجلس عم «أحمد» حارس العمارة فى حجرته الصغيرة التى كانت شاهداً رئيسياً على الاعتصام، وبعيون محدقة وملامح بدت عليها علامات التعب تأثراً بذكريات عصيبة مرت عليه هو وأسرته خلال الاعتصام، روى ما حدث بالتفصيل خلال 40 يوماً لا تستطيع الأيام محوها من الذاكرة فيقول «الإخوان كانوا قاعدين وسط الميدان وقفلوا كل الطرق المؤدية ليه، جابوا رمل وخلعوا طوب الرصيف عشان يعملوا حواجز يحموا بيها نفسهم ده غير الحمامات اللى عملوها فى الشارع»، واستكمل «دايما كانوا ماسكين شوم وعصيان طويلة، أما الأسلحة بتاعتهم بيخبوها جوه الجنينة بتاعة المسجد وبيطلعوها فى ساعة متأخرة بالليل». وما تلبث أن تنطق باسم «رابعة» و«النهضة» حتى يتطرق ذهنك إلى مجموعة من الأقاويل الكثيرة التى انتشرت بين الناس، فكل من «جهاد النكاح، الجثث المحروقة أسفل المنصة، وجبات كنتاكى، تأجير المعتصمين مقابل المال» هى شائعات تداولها الجميع، صدقها البعض والبعض الآخر لم يعرها اهتماماً، ويروى الرجل الخمسينى تفاصيل شراء المعتصمين «كان كل يوم بيجيلهم وجبات مقفولة فيها لحمة وفراخ» ويستطرد «مرة واحد قال لى لو عاوز تيجى معانا هات بطاقتك، ورقم تليفونك وهتاخد 300 جنيه فى اليوم».[ThirdQuote] ويحكى عم «أحمد» تفاصيل يوم فض الاعتصام، حيث استيقظ سكان المنطقة على أصوات مكبرات الصوت التى تطالب المعتصمين بإخلاء الميدان، ثم بدأت الشرطة بإطلاق قنابل الغاز مما دفع الإخوان لحرق الأشجار وإطارات السيارات دفاعاً عن أنفسهم، وبدأ قناصة الإخوان فى اصطياد عناصر من الشرطة مما دفع الشرطة لاستخدام النار فى إطار الدفاع عن النفس، على حد قوله. ويكمل حارس العقار روايته قائلاً «موضوع الجثث المحروقة ده محصلش كل اللى شفته إن الإخوان بالليل بعد فض الاعتصام راحوا يلموا جثث أهلهم اللى ماتوا هناك». وتعليقاً على ما أثير حول جواز النكاح، استطرد حارس العقار قائلاً «سمعت بودانى الشيخ صفوت على المنصة بيقول النهارده هنجوز 250 راجل وست إحنا فى حالة جهاد ويجوز فيها أى حاجة».[SecondQuote] رجل أربعينى، حسن المظهر، يرتدى ملابس مهندمة ويبدو ميسور الحال، دفعته لقمة العيش إلى أن يكون حارساً لمعرض للسيارات بأحد الشوارع الجانبية المطلة على الاعتصام، يروى حارس الأمن تفاصيل يوم الفض الذى بدأته أحداثه فى السادسة صباحاً، حيث وصلت قوات الشرطة إلى منطقة شارع الطيران فى تمام الساعة الـ6 صباحاً، وأكملوا طريقهم حتى وصلوا إلى محلات «كنتاكى» فى تمام الساعة الـ8 صباحاً، بادرت الداخلية بالضرب وسقط من الإخوان قرابة 12 شخصاً، وأعطتهم الداخلية أوامر بالتراجع، لكن الإخوان مكثوا فى أماكنهم وأصروا على عدم مغادرة الاعتصام، وسحبوا قتلاهم وكفنوهم بجوار المنصة، وبعدها عادت الشرطة لاقتحام الاعتصام مرة أخرى بطريقة وحشية «كانوا بيخشوا بالجرارات وبيشيلوا الجثث الميتة ويرموها فى الزبالة». وعقب انتهاء الفض فى الخامسة مساءً، غطت رائحة الموت أرجاء المكان، فقطعت الداخلية النور عن المنطقة بالكامل، وعقب الانتهاء من المهمة بدأ عساكر الشرطة بالرقص فوق أنقاض الموتى ورائحتهم التى ملأت جنبات المكان. «الإخوان اتظلموا ومكنوش يستاهلوا اللى حصل فيهم» بهذه الكلمات استطرد حارس المعرض فى الحديث عن ذكرياته مع الاعتصام، حيث الانتظام فى صلاة الجماعة فى كل الفروض والأذكار والأجواء الروحانية الصافية التى تخيم على المكان، «أنا فى الأول كنت متضايق من الوضع بسبب وقف الحال اللى اتسبب فيه الاعتصام بس بعد ما عاشرت الناس دية حسيت قد إيه هم اتظلموا».[FirstQuote] كثرت الشائعات عن الاعتصام، حيث أصبحت هاجساً يسيطر على كل من يهتم بأخبار الاعتصام، فتطرق الرجل الخمسينى للحديث عن زواج النكاح قائلاً «أنا جبت أختى ومراتى قضوا يوم فى الاعتصام هنا، مستحيل أجيبهم فى مكان مشبوه، ديه كلها افتراءات، الناس كانت ماسكة مصحفها ومابتسيبش سجادة الصلاة طول الوقت». ونفى حارس العقار الأقوال التى رددها البعض عن وجود جنسيات أجنبية فى الاعتصام «الناس كلها كانت من شبرا وعين شمس ومناطق مصر كلها كل اللى اتقال ده كدب وافتراء». «أقسم بالله العظيم السلاح اللى كان فى رابعة أنا شفت عسكرى أعرفه شايله وجايبه يحطه قدام التليفزيون ولما سألته قال لى السلاح ده الضباط كانوا بيقولوا لى هات السلاح ده من هنا وديه هنا»، فالإخوان كانوا فى منتهى السلمية ولم يرفعوا سلاحاً فى وجه أحد ولم يكن سلاحهم فى الاعتصام سوى الدعاء وسجادة الصلاة.